ديوان ابن الفارض - ابن الفارض - الصفحة ٧ - ابن الفارض
أما إقامته في مصر، فقد كانت بحكم إقامة والده، حيث كان في أول صباه يستأذن والده، و يطلع الى وادي المستضعفين بالجبل الثاني من المقطم و يأوي إليه، و يقيم في هذه السياحة ليلا و نهارا، ثم يعود إلى والده كي لا يخالف أوامره، فكان والده يجبره على الجلوس في مجالس أهل العلم يتزود منهم بلطائف المعارف و حقائق العلوم، و كانت نفسه رحمه اللََّه تشتاق دوما إلى العالم العلوي، و الحضرات و الأسماء الربانية، فنشأ متصوفا زاهدا عابدا، و قد ظهرت نزعة الصوفية في شعره و لو لا التصوف و المعاني الصوفية في شعره لما حفل بهذه القيمة العظيمة فلو جردنا شعره من المعنى الصوفي لأصبح من جملة الشعراء المغمورين حيث ينازعه في شعره في الخمريات منازع خطير هو أبو نواس، و له في الحنين إلى الحجاز إمام لا نظير له و لا مثيل: هو الشريف الرضي، و له في الصبابة سيد هو العباس بن الأحنف، و ما يكاد شعر ابن الفارض يخرج عن الصبابة و الحنين و الخمريات [١] .
شغل ابن الفارض بالشعر نحو أربعين سنة. و ذلك أمد طويل، و لكن شعره بقيمة معانيه و ليس بقيمة ألفاظه فهو من حيث الديباجة و السبك شاعر ضعيف، و لكنه من حيث المعاني فحل من الفحول، لأنه استطاع الجمع بين الحقيقة و الخيال، فالحقيقة عند هذا الشاعر، هي الصورة الروحية و أما الخيال فهو الصورة الحسية التي رمز بها إلى المعنويات [٢] .
و لا شك أن ابن الفارض كان يعيش حالات الوجد و الفناء باللّه كما عاشها كبار مشايخ الصوفية كابن عربي و الحلاج و غيرهم. فقد كانوا يعيشون في غيبوبة تطول لأيام.
حتى أثناء صحوه كان ابن الفارض أحيانا كثيرة لا يسمع كلام محدثه و لا يراه و قد أرقته كثيرا قصيدته التائية و في هذا المجال يقول ولده محمد: سمعت الشيخ [٣] رضي اللّه عنه يقول: «رأيت رسول اللّه في المنام و قال لي: يا عمر ما سميت قصيدتك؟
[١] التصوف الاسلامي في الأدب و الأخلاق. د. زكي مبارك. المكتبة العصرية-بيروت-ص ٢٤٦.
[٢] المصدر نفسه ص ٢٤٧.
[٣] الشيخ: المقصود ابن الفارض.