ديوان ابن الفارض - ابن الفارض - الصفحة ٦ - ابن الفارض
ثم يقول: و أقمت بواد كان بينه و بين مكة عشرة أيام للراكب المجد، و كنت آتي منه كل يوم و ليلة، و أصلي في الحرم الشريف الصلوات الخمس، و معي سبع عظيم الخلقة يتبعني في ذهابي و إيابي، و ينخ لي كما ينخ الجمل، و يقول: يا سيدي اركب فما ركبته قط [١] .
قضى شيخنا ابن الفارض في مكة و شعابها خمس عشرة سنة، سمع بعدها الشيخ البقال الذي لقيه على باب المدرسة السيوفية سمعه يقول: يا عمر تعالى إلى القاهرة احضر وفاتي و صلّ علي، فأتيته مسرعا، و الحديث ما زال لابن الفارض فوجدته قد احتضر فسلمت عليه، و سلم عليّ. و ناولني دنانير ذهب، و قال: «جهزني بهذه، و افعل كذا و كذا، و أعط حملة نعشي الى القرافة [٢] » . كل واحد منهم دينارا و اطرحني على الأرض في هذه البقعة، و أشار بيده إليها، فلم تبرح أمامي أنظر إليها و هي بالقرافة تحت الجبل المعروف بالعارض بالقرب من مراكع موسى بسفح الجبل المقطم عند مجرى السيل، تحت المسجد المبارك المعروف بالعارض قال: و انتظر قدوم رجل يهبط عليك من الجبل، فصلّ أنت و هو عليّ، و انتظر ما يفعل اللّه في أمري.
قال: أي الشيخ عمر... فهبط إليّ رجل من الجبل كما يهبط الطائر المسرع، و لم أره يمشي على رجليه، فعرفته بشخصه، كنت أراه يصفع قفاه في الأسواق، فقال يا عمر:
تقدم فصلّ بنا على الشيخ، فتقدمت و صليت إماما و رأيت طيورا بيضا و خضرا، صفوفا بين السماء و الأرض، يصلون معنا، و رأيت طائرا منهم أخضر عظيما قد هبط عند رجليه، و ابتلعه، و ارتفع إليهم، و طاروا جميعا و لهم زجل [٣] فسألته عن ذلك فقال:
«يا عمر، أما سمعت أن أرواح الشهداء في أجواف طيور بيض تسرح في الجنة حيث شاءت، هم شهداء السيوف، أما شهداء المحبة فأجسادهم و أرواحهم في أجواف طيور خضر و هذا الشيخ منهم يا عمر» فأوصى ابن الفارض سبطه أن يدفنه في تلك البقعة المباركة و ضريحه معروف فيها.
[١] شرح ديوان ابن الفارض. الشيخ حسن البوريني-دار التراث بيروت-ص ٦.
[٢] القرافة: تربة معروفة بمصر.
[٣] الزجل: الصوت الحسن، و التطريب و رفع الصوت، لسان العرب، ابن منظور.