ديوان ابن الفارض - ابن الفارض - الصفحة ٥٣ - لوائح الجنان و روائح الجنان
و لا سعت الأيّام في شتّ شملنا، # و لا حكمت فينا الليالي بجفوة [١]
و لا صبّحتنا النائبات بنبوة، # و لا حدّثتنا الحادثات بنكبة [٢]
و لا شنّع الواشي بصدّ و هجرة # و لا أرجف اللاحي ببين و سلوة [٣]
و لا استيقظت عين الرّقيب و لم تزل # عليّ لها، في الحبّ، عيني رقيبتي
و لا اختصّ وقت دون وقت بطيبة # بها كلّ أوقاتي مواسم لذة
نهاري أصيل كلّه، إن تنسّمت # أوائله منها بردّ تحيّتي
و ليلي فيها كلّه سحر، إذا # سرى لي منها فيه عرف نسيمة [٤]
و إن طرقت ليلا، فشهري كلّه # بها ليلة القدر، ابتهاجا بزورة [٥]
و إن قربت داري، فعامي كلّه # ربيع اعتدال، في رياض أريضة [٦]
و إن رضيت عني، فعمري كلّه # زمان الصّبا، طيبا، و عصر الشبيبة
لئن جمعت شمل المحاسن صورة # شهدت بها كلّ المعاني الدّقيقة
فقد جمعت أحشاي كلّ صبابة # بها، و جوى ينبيك عن كلّ صبوة [٧]
و لم لا أباهي كلّ من يدّعي الهوى # بها، و أناهي في افتخاري بحظوة [٨]
و قد نلت منها فوق ما كنت راجيا # و ما لم أكن أمّلت من قرب قربتي [٩]
[١] شت الشمل: الفرقة. الجفوة: القطيعة و التباعد.
[٢] النائبات: مفردها النائبة و هي المصيبة و البلاء. النبوة: الجفاء. الحادثات: مفردها الحادثة و هي النكبة.
[٣] شنع: كرّه الصد: الجفاء. ارجف اللاحي: أبعد المبغض. البين: الفراق.
السلوى: النسيان.
[٤] سرى: أتى ليلا. العرف: الرائحة الطيبة. النسيمة: تصغير لكلمة نسمة.
[٥] طرقت: زارت ليلا. الزورة: الزيارة.
[٦] الرياض: مفردها الروضة و هي الحديقة الغنّاء. الأريضة: الكثيرة الاخضرار.
[٧] الصبابة: شدة العشق-الجوى: عذاب الحب. ينبيك: يخبرك.
[٨] أناهي: أغالب. الحظوة: اللقية الثمينة.
[٩] القربة: ما يتقرب به الإنسان من اللّه عز و جل.