تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٤٦ - و من السورة التي يذكر فيها «النور»
و قوله سبحانه: وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمََالُهُمْ كَسَرََابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلظَّمْآنُ مََاءً، حَتََّى إِذََا جََاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً، وَ وَجَدَ اَللََّهَ عِنْدَهُ فَوَفََّاهُ حِسََابَهُ، وَ اَللََّهُ سَرِيعُ اَلْحِسََابِ [٣٩].
قوله تعالى: وَ وَجَدَ اَللََّهَ استعارة و مجاز. و المعنى: فوجد وعيد اللّه سبحانه عند انتهائه إلى منقطع عمله السيّئ، فكاله بصواعه، و جازاه بجزائه. و ذلك يكون يوم المعاد، و عند انقطاع تكليف العباد.
و قد قيل أيضا: إن الضمير في قوله تعالى: عِنْدَهُ يعود إلى الكافر لا إلى عمله، فكأنه تعالى قال: فوجد اللّه قريبا منه، أي وجد عقابه مرصدا له، فأخذه من كثب، و جازاه بما اكتسب. و ذلك كقول القائل: اللّه عند لسان كل قائل. أي يجازيه على قول الحق بالثواب، و على قول الباطل بالعقاب. و القولان جميعا يؤولان إلى معنى واحد.
و قوله سبحانه: وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمََاءِ مِنْ جِبََالٍ فِيهََا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشََاءُ، وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشََاءُ [٤٣]. و هذه استعارة على بعض التأويلات. لأن الجبال هاهنا يراد بها السحاب الثّقال، تشبيها لها بكثائف أطوادها، و مشارف هضابها.
و يكون الضمير فى قوله سبحانه: مِنْ جِبََالٍ فِيهََا عائدا على السماء لا على الجبال.
فكأنّ التقدير: و ينزل من جبال من السماء من برد، يريد من السحاب المشبهة بالجبال.
و تكون الفائدة فى قوله من جبال فى السماء تخصيص تلك الجبال من جبال الأرض.
لأنا لو جعلنا الضمير الذي فيها عائدا على الجبال أوهم أنها جبال تنزل إلى الأرض من السماء. فإذا جعلنا الضمير عائدا إلى السماء أمن الالتباس، و كان فى ذلك أيضا تعجّب لنا