تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٧٣ - و من السورة التي يذكر فيها «يوسف عليه السلام»
و لكن الإنسان لما كان يتبع دواعيها إلى الشهوات، و ينقاد بأزمتها إلى المقبّحات، كانت بمنزلة الآمر المطاع، و كان الإنسان بمنزلة السامع المطيع. و إنما قال سبحانه: لَأَمََّارَةٌ .
و لم يقل لآمرة، مبالغة فى صفتها بكثرة الدفع فى المهاوى، و القود إلى المغاوى. لأن «فعّالا» [١] من أمثلة الكثير، كما أن «فاعلا» من أمثلة القليل.
و قوله سبحانه: نَرْفَعُ دَرَجََاتٍ مَنْ نَشََاءُ [٧٦]. و هذه استعارة. لأنه ليس هناك على الحقيقة بناء يوطد، و لا درجات تشيد. و إنما المراد به تعلية [٢] معالم الذكر فى الدنيا، و رفع منازل الثواب فى الآخرة.
و قوله سبحانه: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ اَلَّتِي كُنََّا فِيهََا، وَ اَلْعِيرَ اَلَّتِي أَقْبَلْنََا فِيهََا [٨٢].
و هذه استعارة من مشاهير الاستعارات. و المراد: و اسأل أهل القرية التي كنا فيها، و أصحاب العير التي أقبلنا فيها. و مما يكشف عن ذلك قوله تعالى فى السورة التي يذكر فيها الأنبياء عليهم السلام: وَ نَجَّيْنََاهُ مِنَ اَلْقَرْيَةِ اَلَّتِي كََانَتْ تَعْمَلُ اَلْخَبََائِثَ، إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فََاسِقِينَ [٣] . و القرية هى الأبنية المفروشة، و الخطط المسكونة لا يصح منها عمل الخبائث، فعلم أن المراد بذلك أهلها. و من الشاهد على ذلك أيضا.
قوله سبحانه: إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنََاهُمْ أَجْمَعِينَ [٤] . و قال بعضهم:
إن القرية هى الجماعة المجتمعة، لا الأبنية المشيدة. و ذلك مأخوذ من قولهم: قرى الماء فى الحوض. إذا جمعه. و العير: هى الإبل و فيها أصحابها. و إنما أنث سبحانه ضمير القرية
[١] فعال: أي الصيغة التي على وزن فعال. و هذه تدل على الكثرة و المبالغة فالرجل القتال هو الكثير القتل.
[٢] فى الأصل (لعلبه) بدون إعجام الحروف.
[٣] سورة الأنبياء. الآية رقم ٧٤.
[٤] سورة الأنبياء. الآية رقم ٧٧.