تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٣٤ - و من السورة التي يذكر فيها «المائدة»
لأن الحرب لا نار لها على الحقيقة، و إنما شبهت بالنار لاحتدام قراعها، و جدّ مصارعها، و أنها تأكل أهلها، كما تأكل النار حطبها.
و قوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقََامُوا اَلتَّوْرََاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [٦٦]. فهذه استعارة. لأن التوراة لا يصح عليها القيام، و إنما المراد لو أنهم اتبعوا حكمها..... [١] و قوله تعالى: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [٦٦]استعارة أخرى على أحد التأويلين، و هو أن يكون المراد بهذا القول العبارة عن سعة الرزق و رفاهة العيش. كما يقول القائل: فلان مغمور فى النعيم و النعمة من قرنه إلى قدمه. و التأويل الآخر لأكلوا من فوقهم، أي من ثمار الشجر التي تفوت بسطة اليد، و من تحت أرجلهم، أي من نبات الأرض الذي يباشر موطئ القدم. و قيل المراد بذلك ما يكون عن مساقط الغيث من إخصاب منابت الأرض.
فهذا كقوله تعالى لَفَتَحْنََا عَلَيْهِمْ بَرَكََاتٍ مِنَ اَلسَّمََاءِ وَ اَلْأَرْضِ [٢] .
و قوله تعالى: وَ لََكِنْ يُؤََاخِذُكُمْ بِمََا عَقَّدْتُمُ اَلْأَيْمََانَ [٨٩]. على قراءة من قرأ عقدتم، و عقدّتم بالتخفيف و التشديد، دون من قرأ عاقدتم. فهذه استعارة. و المراد بها تأكيد الأيمان حتى تكون بمنزلة العقد المؤكد و الحبل المحصد. أو يكون المراد أنكم عقدتموها على شىء خلافا لليمين اللغو التي ليست معقودة على شىء، لأن الفقهاء يسمون اليمين التي على المستقبل يمينا معقودة، فهى التي يتأتى فيها البر و الحنث، و تجب فيها الكفارة. و اليمين على الماضي عندهم ضربان: لغو، و غموس. فاللغو كقول القائل:
[١] هنا ألفاظ مطموسة.
[٢] سورة الأعراف. الآية رقم ٩٦.