تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٢٩ - و من السورة التي يذكر فيها «النساء»
فليس التشبيه هاهنا عملا من غيرهم بهم، و إنما شبهوا هم على أنفسهم........... [١] كما يقال: أين يذهب بك؟و المراد أين تذهب.
و نظائر ذلك كثيرة.
و قوله تعالى: فَلاََ تَقْعُدُوا [٢] مَعَهُمْ حَتََّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [١٤٠].
و هذه استعارة. و المراد بالخوض هاهنا مناقلة الحديث، و الضرب فى أقطاره، و التفسّح فى أعطانه، استثارة لكرائمه، و بحثا عن غوامضه. تشبيها بخائض الماء، الذي يثير قراره، و يسبر غماره [٣] .
و قوله تعالى: مََا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّبََاعَ اَلظَّنِّ، وَ مََا قَتَلُوهُ يَقِيناً [١٥٧].
و فى هذه الآية استعارتان: إحداهما قوله سبحانه: إِلاَّ اِتِّبََاعَ اَلظَّنِّ لأن الظن جعل هاهنا بمنزلة الداعي الذي يطاع أمره، و القائد الذي يتبع أثره، مبالغة فى صفة الظن بشدة الاستيلاء عليهم و قوة الغلبة على قلوبهم. و الاستعارة الأخرى أن يكون قوله تعالى: وَ مََا قَتَلُوهُ يَقِيناً راجعا إلى الظن لا إلى المسيح عليه السلام.
فكأنه سبحانه قال: و ما قتلوا الظن يقينا: كما يقول القائل: قتلت الخبر علما. و من أمثالهم: (قتل أرضا عالمها) و (قتلت أرض أهلها) و المراد بقولهم قتلت الخبر علما: أي استقصيت معرفته، و استخرجت دخيلته [٤] . فلم يفتنى شىء من علمه، فكنت بذلك كأنى قاتل له. أي لم أبق شيئا يعلم من كنهه، كما لم يبق القاتل من المقتول شيئا من
[١] هنا خمس كلمات متقطعة غير واضحة بالأصل.
[٢] فى لأصل (فلا تقعد) بخطاب الواحد، و هو تحريف و ليس هناك فى القراءات شىء مثل هذا.
و يؤيد صيغة الجمع قوله تعالى بعد هذا: (إنكم إذا مثلهم) .
[٣] فى الأصل «عماره» بدون نقط العين المعجمة.
[٤] فى الأصل «ذخيلته» بإعجام الذال. و الصواب بالدال المهملة.