تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٥٠ - و من السورة التي يذكر فيها «الجن»
و الطرائق: جمع طريقة. و هى-فى هذا الموضع-المذهب و النحلة. و القدد: جمع قدّة، و هى القطعة من الشيء المقدود طولا، مثل فلذة و فلذ، و قربة و قرب. و قد غلب على ما كان من القطع طولا لفظ القدّ، و على ما كان من القطع عرضا لفظ القطّ. فكأنه سبحانه شبه اختلافهم فى الأحوال، و افتراقهم فى الآراء بالسّيور المقدودة، التي تتفرق عن أصلها، و تتشعب بعد ائتلافها.
و قوله سبحانه: وَ أَمَّا اَلْقََاسِطُونَ فَكََانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً [١٥]و هذه استعارة.
و المراد أن نار جهنم-و نعوذ باللّه منها-يستدام وقودها بهم، كما يستدام وقود النار بالحطب، لأن كل نار لا بدّ لها من حشاش يحشها، و وقود يمدها.
و قوله سبحانه: وَ أَنَّهُ لَمََّا قََامَ عَبْدُ اَللََّهِ يَدْعُوهُ كََادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [١٩]و هذه استعارة. و اللّبد هاهنا كناية عن الجماعات المتكاثرة التي تظاهرت من الكفار على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أي اجتمعوا عليه متألبين، و ركبوه مترادفين.
فكانوا كلبد الشّعر، و هى طرائقه و قطعه التي يركب بعضها بعضا. و واحدتها لبدة.
و منه قيل: لبدة الأسد. و هى الشعر المتراكب على مناكبه. و ذلك أبلغ ما شبّهت به الجموع المتعاظلة، و الأحزاب المتألفة.
و قال بعض أهل التأويل: المراد بذلك أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لما صلّى الصبح ببطن نخلة [١] منصرفا من حنين، و قد حضره الوفد من الجن-و خبرهم مشهور-كادوا يركبون منكبه، و يطئون أثوابه، لما سمعوا قراءته، استحسانا لها، و ارتياحا إليها، و تعجبا منها.
روى عن ابن عباس فى هذا المعنى-و هو أغرب الأقوال-أن هذا الكلام من صلة كلام الجن لقومهم لما رجعوا إليهم، فقالوا إنّا سمعنا قرآنا عجبا. و ذلك أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما قام ببطن
١ ٢
نخلة يصلى بأصحابه عجب الجن الحاضرون من طواعيتهم له فى
[١] (١-٢) فى الأصل «بطن نحلة» بالحاء المهملة و هو تحريف و التصويب عن «معجم ما استعجم» للبكرى.