تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣٣٣ - و من السورة التي يذكر فيها «الصف»
و من السورة التي يذكر فيها «الصف»
قوله سبحانه: فَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ [٥]و هذه استعارة. و كنا أغفلنا الكلام على نظيرها فى آل عمران. و هو قوله تعالى: رَبَّنََا لاََ تُزِغْ قُلُوبَنََا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنََا [١] لأن ذلك أدخل فى باب الكلام على الآي المتشابهة، و أبعد من الكلام على الألفاظ المستعارة. إلا أننا رأينا الإشارة إلى هذا المعنى هاهنا، لأنه مما يجوز أن يجرى فى مضمار كتابنا هذا، فنقول:
إن المراد بقوله تعالى: رَبَّنََا لاََ تُزِغْ قُلُوبَنََا أي لا تحمّلنا من التكاليف ما لا طاقة لنا به، فتزيغ قلوبنا، أي تميل عن طاعتك، و تعدل عن طريق مرضاتك، فتصادفها زائغة، أو يحكم عليها الزيغ عند كونها زائغة.
و قد يجوز أن يكون المراد بذلك: أي أدم لنا ألطافك و عصمك لتدوم قلوبنا على الاستقامة، و لا تزيغ [٢] عن مناهج الطاعة. و حسن أن يقال: لا تزغ قلوبنا بمعنى الرغبة فى إدامة الألطاف، لما كان إعدام تلك الألطاف فى الأكثر يكون عنه زيغ القلوب، و مواقعة الذنوب.
و قد استقصينا الكلام على ذلك فى كتابنا الكبير.
و أما قوله تعالى فى هذه السورة: فَلَمََّا زََاغُوا أَزََاغَ اَللََّهُ قُلُوبَهُمْ فهو أوضح فيما يذهب إليه من الأول، لأنه سبحانه لما زاغوا عن الحق حكم عليهم بالزّيغ عنه، و حكمه
[١] سورة آل عمران الآية رقم ٨.
[٢] فى الأصل «و لا تزغ» و هو تحريف إذ لا محل لجزم الفعل هنا.