تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٣١٠ - و من السورة التي يذكر فيها «ق»
و من السورة التي يذكر فيها «ق»
[ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسََانَ وَ نَعْلَمُ مََا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ ][١٦].... و أراد سبحانه أنه يعلم غيب الإنسان و وساوس إضماره، و نجىّ أسراره. فكأنه باستبطانه ذلك منه أقرب إليه من وريده. لأن العالم بخفايا قلبه، أقرب إليه من عروقه و عصبه.
و ليس القرب هاهنا من جهة المسافة و المساحة، و لكن من جهة العلم و الإحاطة.
و قوله تعالى: وَ جََاءَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ، ذََلِكَ مََا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [١٩] و هذه استعارة. و المراد بسكرة الموت هاهنا: الكرب الذي يتغشى المحتضر عند الموت، فيفقد له تمييزه، و يفارق معه معقوله. فشبّه تعالى ذلك بالسّكرة من الشراب، إلا أن تلك السّكرة منعمة، و هذه السّكرة مؤلمة.
و قوله تعالى: بِالْحَقِّ يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون جاءت بالحق من أمر الآخرة، حتى عرفه الإنسان اضطرارا، و رآه جهارا. و الآخر أن يكون المراد بِالْحَقِّ هاهنا أي بالموت الذي هو الحق.
و قوله سبحانه: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ [٢٢]. و هذه استعارة و المراد بها ما يراه الإنسان عند زوال التكليف عنه من أعلام السّاعة، و أشراط القيامة، فتزول عنه اعتراضات الشكوك، و مشتبهات الأمور، يصدّق بما كذّب، و يقرّ بما جحد، و يكون كأنه قد نفذ [١] بصره بعد وقوف،
[١] فى الأصل «نفد» بالدال المهملة و هو تحريف فاحش من النساخ لأنه ليس القصد نفاد البصر و ضياعه، بل القصد نفوذه وحدته.