تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ٢٢٠ - و من السورة التي يذكر فيها «مريم عليها السلام»
و من السورة التي يذكر فيها «مريم عليها السلام»
قوله سبحانه: قََالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ اَلْعَظْمُ مِنِّي وَ اِشْتَعَلَ اَلرَّأْسُ شَيْباً [٤] و هذه من الاستعارات العجيبة. و المراد بذلك: العبارة عن تكاثر الشّيب فى الرأس حتى يقهر بياضه، و ينصل سواده.
و فى هذا الكلام دليل على سرعة تضاعف الشيب و تزيّده و تلاحق مدده، حتى يصير فى الإسراع و الانتشار كاشتعال النار، يعجز مطفيه، و يغلب متلافيه.
و قوله سبحانه: فَأَجََاءَهَا اَلْمَخََاضُ إِلىََ جِذْعِ اَلنَّخْلَةِ [٢٣]. و هذه استعارة.
و المعنى: فجاء بها المخاض، أو ألجأها المخاض إلى جذع النخلة، لتجعله سنادا لها، أو عمادا لظهرها. و هى التي لجأت إلى النخلة، و لكنّ ضرب المخاض لما كان سببا لذلك، حسن أن ينسب الفعل إليه فى إلجائها، و المجيء بها و قوله سبحانه: وَ وَهَبْنََا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنََا، وَ جَعَلْنََا لَهُمْ لِسََانَ صِدْقٍ عَلِيًّا [٥٠] و هذه استعارة. و المراد بذكر اللسان هاهنا-و اللّه أعلم-الثناء الجميل [١] الباقي فى أعقابهم، و الخالف فى آبائهم [٢] . و العرب تقول: جاءنى لسان فلان. يريد مدحه أو ذمه. و لما كان مصدر المدح و الذم عن اللسان عبروا عنهما باسم اللسان.
و إنما قال سبحانه: لِسََانَ صِدْقٍ . إضافة للسان إلى أفضل حالاته، و أشرف متصرفاته، لأن أفضل أحوال اللسان أن يخبر صدقا، أو يقول حقا.
[١] فى الأصل: (الجل) و هو تحريف من الناسخ.
[٢] أي الباقي فى آبائهم.