تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٨٤ - و من السورة التي يذكر فيها «إبراهيم عليه السلام»
تطرقه من كل مطرق، و تطلع عليه من كل مطلع. و قد يوصف المغموم بالكرب، و المضغوط بالخطب بأنه فى غمرات الموت، مبالغة فى عظيم ما يغشاه، و أليم ما يلقاه.
و قوله سبحانه: أَعْمََالُهُمْ كَرَمََادٍ اِشْتَدَّتْ بِهِ اَلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عََاصِفٍ [١٨]فى هذه الآية استعارتان إحداهما [١] قوله تعالى: اِشْتَدَّتْ بِهِ اَلرِّيحُ [٢] .
و قوله سبحانه: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [٣٧]. و هذه من محاسن الاستعارة. و حقيقة الهوىّ النزول من علو إلى انخفاض كالهبوط. و المراد به هاهنا المبالغة فى صفة الأفئدة بالنّزوع إلى المقيمين بذلك المكان. و لو قال سبحانه: تحنّ إليهم، لم يكن فيه من الفائدة ما فى قوله سبحانه: تَهْوِي إِلَيْهِمْ لأن الحنين قد يوصف به من هو مقيم فى مكانه، و الهوىّ يفيد انزعاج الهاوي من مستقرّه.
و قوله تعالى: لاََ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوََاءٌ [٤٣]و هذه استعارة.
و المراد بها صفة قلوبهم بالخلوّ من عزائم الصبر و الجلد، لعظيم الإشفاق و الوجل. و من عادة العرب أن يسمّوا الجبان يراعة جوفاء، أي ليس بين جوانحه قلب.
و على ذلك قول جرير يهجو قوما و يصفهم بالجبن:
قل لخفيف القصبات الجوفان # جيئوا بمثل عامر و العلهان [٣]
[١] فى الأصل: أحدهما. بالتذكير و هو تحريف من الناسخ.
[٢] هنا ورقة ضائعة من الأصل. من الآية ١٨ إلى الآية ٣٧.
[٣] ورد هذا البيت فى ديوان جرير هكذا.
ويلكمو يا قصبات الجوفان*جيئوا بمثل قعنب و العلهان