تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٨٢ - و من السورة التي يذكر فيها «إبراهيم عليه السلام»
و قد يجوز أيضا أن يكون المراد بذلك أن الكفار كانوا إذا بدأ عليهم الرسل بالكلام سدّوا بأيديهم أسماعهم دفعة، و أفواههم دفعة، إظهارا منهم لقلة الرغبة فى سماع كلامهم و جواب مقالهم، ليدلّوهم-بهذا الفعل-على أنهم لا يصغون لهم إلى مقال، و لا يجيبونهم عن سؤال، إذ قد أبهموا طريقى السماع و الجواب، و هما الآذان و الأفواه. و شاهد ذلك قوله سبحانه حاكيا عن نوح عليه السلام يعنى قومه: وَ إِنِّي كُلَّمََا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصََابِعَهُمْ فِي آذََانِهِمْ، وَ اِسْتَغْشَوْا ثِيََابَهُمْ، وَ أَصَرُّوا وَ اِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْبََاراً [١]
فيكون معنى رد أيديهم فى أفواههم على القول الذي قلنا أن يمسكوا أفواههم بأكفهم، كما يفعل المظهر الامتناع من الكلام. و يكون إنما ذكر تعالى ردّ الأيدى هاهنا-و هو يفيد فعل الشيء ثانيا بعد أن فعل أولا-لأنهم كانوا يكثرون هذا الفعل عند كلام الرسل عليهم السلام.
فوصفوا فى هذه الآية بما قد سبق لهم مثله، و ألف منهم فعله، فحسن ذكر الأيدى بالرد على الوجه الذي أومأنا إليه. و أيضا فقد يقول القائل لغيره: اردد إليك يدك. بمعنى اقبضها و كفها. لا يريد غير ذلك.
و قوله سبحانه: ذََلِكَ لِمَنْ خََافَ مَقََامِي وَ خََافَ وَعِيدِ [١٤]. و هذه استعارة.
لأن المقام لا يضاف إلاّ إلى من يجوز عليه القيام. و ذلك مستحيل على اللّه سبحانه، فإذن المراد به يوم القيامة، لأن الناس يقومون فيه للحساب، و عرض الأعمال على الثواب و العقاب، فقال سبحانه فى صفة ذلك اليوم: يَوْمَ يَقُومُ اَلنََّاسُ لِرَبِّ اَلْعََالَمِينَ [٢] .
و إنما أضاف تعالى هذا المقام إلى نفسه فى هذا الموضع، و فى قوله:
[١] سورة نوح عليه السلام. الآية رقم ٧.
[٢] سورة المطففين. الآية رقم ٦.