تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٨١ - و من السورة التي يذكر فيها «إبراهيم عليه السلام»
بمعنى زال سلطانه عن رعيته. و يقولون: أخذت هذا الأمر باليد. أي بالسلطان. فالحجج التي جاء بها الأنبياء أممهم قد تسمى أيديا على ما ذكرناه، فلما وصف الكفار على هذا التأويل بأنهم ردّوا أيدى الأنبياء-عليهم السلام-فى أفواههم، كان المراد بذلك ردّ حججهم من حيث جاءت، و طريق مجيئها أفواههم؛ فكأنهم ردّوا عليهم أقوالهم، و كذّبوا دعواهم.
و فى هذا التأويل بعد و تعسّف، إلا أننا ذكرناه لحاجتنا إليه، لما ذهبنا مذهب من حمل قوله سبحانه: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوََاهِهِمْ على الاستعارة لا على الحقيقة.
فإذا حملت الآية على حقيقة الأيدى التي هى الجوارح كان المراد بها مختلفا [١] فيه.
فمن العلماء من قال: المراد بذلك أنهم كانوا يعضّون أناملهم تغيظا [٢] على الرسل عليهم السلام، كما يفعل المغيظ المحنق، و الواجم المفكر.
و قال بعضهم: المراد بذلك أن المشركين أومئوا إلى أفواه الأنبياء، بالتسكيت لهم، و القطع لكلامهم.
و قال بعضهم: بل المراد بذلك ضرب من الهزء [٣] يفعله المجّان و السفهاء، إذا أرادوا الاستهزاء ببعض الناس، و قصدوا الوضع منه، و الإزراء عليه. فيجعلون أصابعهم فى أفواههم و يتبعون هذا الفعل بأصوات تشبهه و تجانسه، يستدل بها على قصد السخف، و تعمد الفحش. و هذا عندى بعيد من السداد، و غيره من الأقوال أولى منه بالاعتماد.
[١] فى الأصل: مختلف فيه. و هو تحريف من الناسخ.
[٢] فى الأصل: تغيضا بالضاد المعجمة لا بالظاء المعجمة.
[٣] الهزء بفتح الهاء و الهزء بضمها: السخرية.