تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٧ - ابن قتيبة و مجازات القرآن
و أنشدنى السجستاني عن أبى عبيدة فى مثل قول اللّه: (يريد أن ينقضّ) :
يريد الرمح صدر أبى براء # و يرغب عن دماء بنى عقيل
و أنشد الفرّاء:
إن دهرا يلف شملى يجمل # لزمان يهمّ بالإحسان
و العرب تقول: بأرض فلان شجر قد صاح، أي طال. لما تبين الشجر للناظر بطوله و دل على نفسه، جعله كأنه صائح، لأن الصائح يدل على نفسه بصوته] [١] .
فهذا السبيل الذي سلكه ابن قتيبة فى مجازات القرآن هو السبيل الذي أفضى إلى تطور الدراسات البلاغية البيانية عند ابن المعتز (المتوفى سنة ٢٩٦ هـ) و عند الشريف الرضى فى كتابه هذا الذي نقدم له، و عند الجرجاني (المتوفى سنة ٤٧١ هـ) و هو مؤلف «أسرار البلاغة» ، في علم البيان، و «دلائل الإعجاز» فى علم المعاني، و عند السكاكي (المتوفى سنة ٦٢٦ هـ) حين ألف كتابه المشهور: «مفتاح العلوم» ، و عند ابن الأثير [٢] (المتوفى سنة ٦٣٧ هـ) حين ألف كتابيه المشهورين: «المثل السائر» ، و «البرهان فى علم البيان» .
أما الباب الذي عقده ابن قتيبة للاستعارة فى كتابه «تأويل مشكل القرآن» فهو لا يقل إمتاعا و لا فائدة عن باب المجاز، و تكاد ألفاظه تكون هى الألفاظ التي استعملها البيانيون بعد هذا. أسمعه مثلا و هو يقول: [فالعرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة إذا كان المسمى بها بسبب من الأخرى أو مجاورا لها أو مشاكلا. فيقولون للنبات:
نوء. لأنه يكون عن النوء عندهم... و يقولون للمطر: سماء. لأنه من السماء ينزل، فيقال:
ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم. قال الشاعر:
إذا سقط السماء بأرض قوم # رعيناه و إن كانوا غضابا
[١] المصدر نفسه ص ١٠٠.
[٢] هو ضياء الدين بن الأثير.