تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٦٠ - و من السورة التي يذكر فيها «هود» عليه السلام
و قوله سبحانه: وَ آتََانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ [٢٨]الآية. و هذه استعارة. لأن الرحمة لا توصف بالعمى و إنما يوصف الناس بالعمى عن تمييز مواقعها، و إدراك مواضعها. فلما وصفوا بالعمى عنها حسن أن يوصف بذلك فى القلب [١] . كما يقال: أدخلت الخاتم فى إصبعى، و المغفر فى رأسى. و إنما الأصبع دخلت فى الخاتم، و الرأس دخل فى المغفر. و قد يجوز أن يكون قوله سبحانه: فَعُمِّيَتْ [٢] عَلَيْكُمْ .
بمعنى خفيت عليكم، كما يقول القائل: قد عمى علىّ خبرهم. و عمى علىّ أثرهم. أي خفى عنى الأثر و الخبر.
و قوله سبحانه: وَ لاََ أَقُولُ لِلَّذِينَ [٣] تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اَللََّهُ خَيْراً [٣١]. و هذه استعارة. كما يقول القائل: اقتحمت فلانا [٤] عينى، و احتقره طرفى.
إذا قبح فى منظر عينه خلقة، و صغر دمامة. ليس أن العين على الحقيقة يكون منها الاحتقار، أو يجوز عليها الاستصغار.
و قوله سبحانه: وَ لاََ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ، إِنْ كََانَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [٣٤]و ذكر الإغواء هاهنا من قبيل الاستعارة و إن لم يكن من صريحها. و كذلك لفظ المكر، و الاستهزاء، و ما يجرى هذا المجرى. لأن المراد بمعاني هذه الألفاظ غير المراد بظواهرها. فالمتعارف من الإغواء هو الدعاء إلى الغى و الضلال. و ذلك غير جائز على اللّه سبحانه، لقبحه و ورود أمره بضده. و المراد إذن بالإغواء هاهنا تخييبه سبحانه
[١] ليس القلب هنا بمعنى الجارحة التي فى الجسم، و لكنه القلب اللفظي و المعنوي، كما تقول: أدخلت الخاتم فى الأصبع بدلا من أدخلت الأصبع فى الخاتم.
[٢] فعميت بالتشديد هى قراءة الأعمش و حمزة و الكسائي.
[٣] فى الأصل «الذي» بصيغة المفرد، و هو تحريف من الناسخ. و الصواب» للذين بصيغة الجميع.
[٤] فى الأصل: فلان و هو تحريف من الناسخ