تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١٥ - ابن قتيبة و مجازات القرآن
تفسيرا مجازيا فيقول: [و لو كان المسيح قال هذا فى نفسه خاصة دون غيره، ما جاز لهم أن يتأولوه هذا التأويل فى اللّه-تبارك و تعالى عما يقولون علوا كبيرا-مع سعة المجاز، فكيف و هو يقوله فى كثير من المواضع لغيره؟كقوله حين فتح فاه بالوحى: «إذا تصدقت فلا تعلم شمالك بما فعلت يمينك، فإن أباك الذي يرى الخفيات يجزيك به علانية، و إذا صليتم فقولوا: يا أبانا الذي فى السماء!ليتقدس اسمك، و إذا صمت فاغسل وجهك و ادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير أبيك» . و قد قرءوا فى الزبور أن اللّه تبارك و تعالى قال لداود عليه السلام: «سيولد لك غلام يسمى لى ابنا، و أسمى له أبا» و فى التوراة أنه قال ليعقوب عليه السلام: «أنت بكرى. و تأويل هذا أنه فى رحمته و بره و عطفه على عباده الصالحين كالأب الرحيم لولده] [١] .
و الحق أن الاشتغال بفهم القرآن الكريم و مدارسته و تفسيره كان سببا قويا لظهور هذه المجادلات المجازية الاستعارية ظهورا متميزا فى عصر ابن قتيبة، و هو عصر بدأ علم الكلام فيه يتميز بظهور طائفة من المتكلمين من أمثال ابن الهذيل العلاف (المتوفى سنة ٢٣٥) و أبى على محمد بن عبد الوهاب الجبائي (المتوفى سنة ٣٠٣) . فقد كان علماء الكلام شديدى الجدل أقوياء العارضة، و كانت لهم فى اللّه و صفاته و أفعاله و ذاته و فى العدل و الجبر و الاختيار آراء لا بد لها من الفهم البياني القوى ليؤيدوا بها و جهات نظرهم. فحين يلتقى المفسرون يقوله تعالى:
وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسىََ تَكْلِيماً فمنهم من يقول بالكلام على وجه الحقيقة لا على سبيل المجاز، بدليل توكيد الفعل بالمصدر تكليما، و منهم من يقول بالكلام على وجه المجاز. و يقول ابن قتيبة فى إرادة الكلام هنا على حقيقته: [إن أفعال المجاز لا تخرج منها المصادر و لا توكد بالتكرار. فتقول: أراد الحائط أن يسقط، و لا تقول: أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة.
و قالت الشجرة فمالت و لا تقول: قالت الشجرة فمالت قولا شديدا. و اللّه تعالى يقول:
[١] تأويل مشكل القرآن ص ٧٦