تلخيص البيان في مجازات القرآن - السيد الشريف الرضي - الصفحة ١١٩ - و من السورة التي يذكر فيها البقرة
عن التحذير من طاعة الشيطان فيما يأمر به، و قبول قوله فيما يدعو إلى فعله. فهذه من شرائف الاستعارات.
و قوله تعالى: مََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ اَلنََّارَ [١٧٤]. و هذه استعارة. كأنهم إذا أكلوا ما يوجب العقاب بالنار كان ذلك المأكول مشبها بالأكل من النار. و قوله سبحانه: فِي بُطُونِهِمْ : زيادة معنى، و إن كان كل آكل إنما يأكل فى بطنه، و ذلك أنه أفظع سماعا، و أشدّ إيجاعا. و ليس قول الرجل للآخر: إنك تأكل النار، مثل قوله: إنك تدخل النار فى بطنك.
و قوله تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلضَّلاََلَةَ بِالْهُدىََ وَ اَلْعَذََابَ بِالْمَغْفِرَةِ [١٧٥] و قد مضى نظير ذلك، و أمثاله كثيرة فى هذه السورة و غيرها.
و قوله تعالى فى ذكر النساء: هُنَّ لِبََاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبََاسٌ لَهُنَّ [١٨٧].
و اللباس هاهنا مستعار، و المراد به قرب بعضهم من بعض و اشتمال بعضهم على بعض، كما تشتمل الملابس على الأجسام [١] . و على هذا المعنى كنوا عن المرأة بالإزار.
و قوله سبحانه: عَلِمَ اَللََّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتََانُونَ أَنْفُسَكُمْ، فَتََابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفََا عَنْكُمْ [١٨٧]و هذه استعارة، لأن خيانة الإنسان نفسه لا تصح على الحقيقة، و إنما المراد أنه سبحانه خفّف عنهم التكليف فى ليالى الصيام، بأن أباحهم فيها مع أكل الطعام و شرب الشراب الإفضاء إلى النساء، و لو منعهم من ذلك لعلم أن كثيرا منهم يخلع عذار الصبر، و يضعف عن مغالبة النفس، فيواقع المعصية بفعل ما حظر عليه من غشيان
[١] استشهد ابن قتيبة فى كتابه «تأويل مشكل القرآن» بقول النابغة الجعدي:
إذا ما الضجيع ثنى جيدها*تثنت عليه فكانت لباسا على أن اللباس معناه أن المرأة و الرجل يتضامان فيكون كل واحد منها للآخر بمنزلة اللباس.