الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٣٠١ - ثم جعل يقول
قال بعض الحكماء لبنيه: لا تعادوا أحدا و إن ظننتم أنه لا يضركم و لا تزهدوا في صداقة أحد و إن ظننتم أنه لا ينفعكم، فانكم لا تدرون متى تخافون عداوة العدو، و لا متى ترجون صداقة الصديق.
و قيل للمهلب: ما الحزم؟فقال: تجرع الغصص إلى أن تنال الفرص. و من كلامهم ما تزاحمت الظنون على شيء مستور الا كشفته.
لما تقدم الحلاج إلى القتل قطعت يده اليمنى، ثم اليسرى، ثم رجله فخاف أن يصفر وجهه من نزف [١] الدم فأدنى يده المقطوعة من وجهه فلطخه بالدم ليخفي اصفراره.
و أنشد:
لم اسلم النفس للأسقام تبلغها # الا لعلمي بأنّ الوصل يحييها
نفس المحب على الآلام صابرة # لعل مسقمها يوما يداويها
فلما صلب إلى الجذع قال:
يا معين الضنى عليّ # أعني على الضنى [٢]
ثم جعل يقول:
ما لي جفيت و كنت لا اجفى # و دلايل الهجران لا تخفى
و أراك تمزجني و تشربني # و لقد عهدتك شاربي صرفا
فلما بلغ به الحال أنشأ يقول:
لبيك يا عالما سري و نجوائي # لبيك لبيك يا قصدي و معنائي
أدعوك بل أنت تدعوني إليك فهل # ناجيت إياك أم ناجيت إيائي
حبي لمولاي أضناني و أسقمني # فكيف أشكو إلى مولاي مولائي
يا ويح روحي من روحي و يا أسفي # عليّ منّي فانّي أصل بلوائي
[١] النزف: السيلان.
[٢] الضنى: المرض.