الكشكول - الشيخ البهائي - الصفحة ٢٢٣ - و له فيه
ما جعلتموه دليلا من خوف العقاب و مظنة العتاب مردود إليكم و مقلوب عليكم إذا الخوف المذكور قائم عند قيام العبد بوظائف الشكر و لطائف الحمد فانّ كل من له أدنى مسكة يحكم حكما لا ريب فيه و لا شك يعتريه بأنّ الملك الكريم الذي ملك الأكناف شرقا و غربا و سخر الأطراف بعدا و قربا إذا امد لأهل مملكته من الخاص و العام مائدة عظيمة لا مقطوعة و لا ممنوعة [١] على توالي الأيام مشتملة على أنواع المطاعم الشهية مشحونة بأصناف المشارب السنية يجلس عليها الداني و القاصي و يتمتع بطيباتها المطيع و العاصي فحضرها في بعض الأيام مسكين لم يحضرها قبل ذلك قط، فدفع إليه الملك لقمة واحدة فتناولها ذلك المسكين ثم شرع المسكين في الثناء على ذلك الملك يمدحه بجليل الانعام و الاحسان و يحمده على جزيل الكرم و الامتنان و لم يزل يصف تلك اللقمة و يذكرها و يعظم شأنها و يشكرها، فلا شك في أنّ ذلك الشكر و الثناء يكون منتظما عند ساير العقلاء في سلك السخرية و الاستهزاء فكيف؟!و نعم اللّه سبحانه علينا بالنسبة إلى عظيم سلطانه جل شأنه و بهر [٢] برهانه أحقر من تلك اللقمة بالنسبة إلى ذلك الملك بمراتب لا يحويها الاحصاء و لا يحوم [٣] حولها الاستقصاء فقد ظهر أنّ تقاعدنا عن شكر نعمائه تعالى مما يقتضيه العقل السليم و الكف عن حمد آلائه عز و علا مما يحكم بوجوبه الرأي القويم و الطبع المستقيم هذا و لا يخفى على من سلك مسالك السداد و لم ينهج مناهج اللجاج و العناد أنّ لأصحابنا رضي اللّه عنهم و أرضاهم و جعل الجنة مأواهم أن يقولوا: إنّ ما أوردتموه من الدليل و تكلفتموه من التمثيل كلام مخيل عليل لا يروي الغليل [٤] و لا يصلح للتعويل فإنّ تلك اللقمة لما كانت حقيرة المقدار في جميع الأنظار عديمة الاعتبار في كل الأصقاع و الأقطار، لا جرم صار الحمد و الثناء على ذلك العطاء منخرطا [٥] في سلك السخرية و الاستهزاء، فالمثال المناسب لما نحن فيه أن يقال: إذا كان في زاوية الخمول و هاوية الذهول مسكين أخرس اللسان مئوف الأركان مشلول اليدين معدوم الرجلين مبتلى بالأسقام و الأمراض محروم من جميع المطالب و الأغراض فاقد للسمع و الأبصار لا يفرق بين السر و الجهار و لا يميز بين الليل و النهار، بل عادم الحواس الظاهرة بأسرها عار من المشاعر الباطنة عن آخرها فأخرجه الملك من متاعب تلك الزاوية و مصاعب هاتيك الهاوية و منّ عليه باطلاق لسانه و تقوية أركانه و إزالة خلله و إماطة [٦] شلله و تلطف باعطائه
[١] اقتباس من قوله تعالى في سورة الواقعة-الآية ٣٣.
[٢] بهرت الشمس: أضاءت.
[٣] حام الطائر حول الماء: دار به، و في الحديث: فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع في الحمى.
[٤] الغليل: العطش و قيل: شدته: و قيل: حرارته.
[٥] انخرط السلك: انتظمت.
[٦] أماطه: أذهبه و أزاله.