الفقه على المذاهب الخمسة - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١١ - مقَدِّمَة
إنّ الفقه بحر لا يُدرك مداه ، فمسألة واحدة يتفرع عنها فروع شتى كثيراً ما تتعدد وتتضارب في فروع ، منها أقوال المذاهب ، بل أقوال فقهاء المذهب الواحد ، بل أقوال العالِم الواحد . إنّ مَن يحاول الإحاطة في أيّة مسألة خلافية يجد أشد المشقة والجهد ، فكيف بكتابة الفقه جميعاً ـ عباداته ومعاملاته ـ على جميع المذاهب ؟!
ومِن أجل هذا عندما أراد الأزهر وضع كتاب الفقه على المذاهب الأربعة سنة ١٩٢٢ ، اختار لجنة مِن كبار علماء المذاهب لهذه الغاية ، يكتب كلّ على مذهبه ، وقد سارت اللجنة في عملها سنوات ، حتى استطاعت أن تجمع الأحكام مِن غير أدلتها على الشكل الذي نراه في هذا الكتاب ، ومع اعترافي بأنّه قد وفّر عليّ جهوداً عديدة فقد أتعبني في كثير مِن المسائل ، واضطرني إلى البحث والتنقيب في المطوّلات والمختصرات أمداً غير قصير . هذا ، وقد قضيتُ مع الفقه وأصوله أكثر مِن ٣٣ سنة درساً وتدريساً وتأليفاً ، فكيف بمن لا يعرف منه إلاّ الاسم ؟!
ثُمّ إنّ كتاب الفقه على المذاهب الأربعة ذكر قول كلّ مذهب على حدة ، كما جاء في كتب فقهائه ما عدا ما اتفق عليه الأربعة ، أمّا هذا الكتاب فإنّه يجمع الاتفاق بين مذهبين أو أكثر في جملة واحدة ، رغبة في الاختصار والتسهيل . وما وجدتُ مشقة في شيء كما وجدتُها في تناقض النقل ، وتعدّد الروايات عن الإمام الواحد في المسألة الواحدة ، فهذا الكتاب ينقل عن التحريم ، والثاني ينقل الجواز ، والثالث الكراهة . ولمّا كان مِن قصدي التسهيل على القرّاء ، فقد تجنبتُ ما أمكن نقل الروايات المتعددة مكتفياً برواية الأسبق مِن المؤلّفين ، وبخاصة إذا كان الناقل يتبع مذهب الإمام الذي ينقل عنه . وقد أنقلُ اتفاق أئمة السنّة الأربعة في مسألة اتفقَ عليها ثلاثة منهم ، وجاءت عن الرابع روايتان : إحداهما تتفق مع الثلاثة ، والأخرى تخالفهم ، فأختار الرواية الموافقة تضييقاً