الفقه على المذاهب الخمسة - مغنية، الشيخ محمد جواد - الصفحة ٥٦٥ - ميراث الحرقى والغرقى والمهدوم عليهم
أصل عدم وقوع الحادث :
لنا قريب في المهجر ، كنا نراسله ويراسلنا ، ثمّ قطع عنّا الرسائل ، وقطعناها نحن عنه ، وبعد أمد طويل يخطر لنا أن نرسل إليه كتاباً ، فنكتب له على عنوانه الأوّل ، مع أنّه لم يخالجنا الشك بأنّه مات أو انتقل من مكانه . فما هو السر الذي دعانا إلى عدم الاهتمام بما طرأ على ذهننا من الشك واحتمال الموت ، وتغيّر العنوان ؟ وأيضاً نعتقد بأمانة إنسان وصدقه ، فنجعله محل ثقتنا ، ونأتمنه على أثمن الأشياء ، ثمّ يصدر منه عمل فنظنّ أنّه تغيّر وتبدّل ، ومع ذلك نمضي معه كما كنا أوّلاً ، وهكذا في جميع المراسلات والمعاملات والمواصلات .
والسر في ذلك أنّ الإنسان مسوق بفطرته على الأخذ بالحال السابقة إلى أن يثبت العكس ، فإذا علم بحياة زيد ، ثمّ حصل الشك بحدوث موته ، فالأصل الذي تقره الفطرة هو البقاء على نية الحياة إلى أن يثبت الموت بأحد طرق الإثبات ، وهذا معنى أصل عدم وقوع الحادث الذي لم يثبت وقوعه ، وإليه يهدف قول الإمام الصادق : ( مَن كان علي يقين ثمّ شك فلا ينقض اليقين بالشك ، إنّ اليقين لا ينقصه إلاّ اليقين ، لا تدخل الشك على اليقين ، ولا تخلط أحدهما بالأخر ، ولا تعتد بالشك مع اليقين في حال من الأحوال ) .
فإذا علمنا أنّ فلاناً مدِين بمال ، ثمّ ادعى الوفاء ، فالأصل بقاء الدين إلى أن يثبت الوفاء ، أي كما علمنا بالدين يجب أن نعلم بالوفاء ؛ لأنّ العلم لا يزيله إلاّ العلم ، والشك الطارئ بعد العلم لا أثر له ، فمن ادّعى شيئاً يضاد الحال السابقة فهو مدّعٍ ، عليه أن يقيم البينة على مدّعاه ، ومَن كان قوله وفق الحال السابقة فهو منكر لا تتجه عليه سوى اليمين .
فتحصل من هذا البيان أنّ معنى أصل عدم الحادث في حقيقته هو الأخذ بالحال السابقة إلى أن يثبت العكس .