الدليل الفقهي (تطبيقات فقهية لمصطلحات علم الأصول) - الحسيني، السيد محمد - الصفحة ٣٠٢
فالوجوب فعلي، و الواجب استقبالي فيجب صوم الغد في المقام من أول الليل، بل من أول الشهر كما هو ظاهر قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فإذا كان الوجوب حاليا و ثابتا قبل مجيء وقت الواجب و بنينا على وجوب المقدمة شرعا ترشح الأمر من ذيها لا محالة، فبعد هذا الالتزام بهاتين الدعويين أعني الوجوب التعليقي و وجوب المقدمة شرعا يتصف الغسل في المقام بالوجوب الشرعي.
الثاني: و إن أنكرنا الوجوب التعليقي و بنينا على أن الوجوب مشروط بالوقت كنفس الواجب فلا وجوب لذي المقدمة قبل مجيء وقته، إلّا أنه لا مانع من التفكيك بن المقدمة و ذيها في الوجوب، بأن تجب المقدمة فعلا من غير أن يجب ذوها إلّا بعد حين، فيعني الملاك الذي من أجله وجبت المقدمة، أعني توقف ذيها عليها يمكن أن يكون وجوبها سابقا على وجوبه فيما إذا رأى المولى أن الدخيل في الواجب إنما هو المقدمة السابقة وجودا على وقته دون اللاحقة، و حديث ترشح وجوب المقدمة من ذيها المستلزم لتأخر وجوبها عن وجوبه كلام مشهور لا أساس له من الصحة، إذ كيف يعقل ترشح الوجوب من وجوب، و إن يكون فعل اختياري معلولا لفعل اختياري آخر، و هل وجوب ذي المقدمة بنفسه مشرّع كي يكون علة لوجوب المقدمة و يكون وجوبها مترشحا من وجوبه؟ كل ذلك لا يكون، بل الوجوب الغيري كالوجوب النفسي كل منها فعل اختياري لنفس الفاعل أعني المولى الذي بيده الحكم، لا أن الأول معلول للثاني كي يكون فعلا لفعل الفاعل و معلولا لمعلوله، بل كل منهما بحياله فعله مستقلا، غاية الأمر أنهما متلازمان في الوجود، و يكون وجوب أحدهما لأجل الآخر لا بملاك قائم بنفسه.