الفتاوى الواضحة - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٨٢٢ - ٣ ـ الجانب الحسّي في العبادة
سبحانه لا يحدّه مكان ولا زمان ، ولا يمثّله نَصب ولا تمثال فيجب أن تكون عبادته قائمةً على هذا الأساس ، وبالطريقة التي يمكن للفكر النسبّي للإنسان أن يناجي بها الحقيقة المطلقة .
وهذا الاتّجاه لا تقرّه الشريعة الإسلامية ، فإنّها على الرغم من اهتمامها بالجوانب الفكرية ـ حتّى جاء في الحديث أنّ « تفكير ساعة أفضل من عبادة سنة »[١] ـ تؤمن بأنّ التفكير الخاشع المتعبّد مهما كان عميقاً لا يملأ نفس الإنسان ، ولا يُعبّئ كلّ فراغه ، ولا يشدّه إلى الحقيقة المطلقة بكلّ وجوده ; لأنّ الإنسان ليس فكراً بحتاً .
ومن هذا المنطلق الواقعيّ الموضوعي صُمّمت العبادات في الإسلام على أساس عقليّ وحسّيّ معاً ، فالمصلّي في صلاته يمارس بنيّته تعبّداً فكرياً ، وينزّه ربّه عن أيّ حدٍّ ومقايسة ومشابهة ; وذلك حين يفتتح صلاته قائلا : « اللهُ أكبر » ، ولكنّه في نفس الوقت يتّخذ من الكعبة الشريفة شعاراً ربّانياً يتوجّه إليه بأحاسِيسه وحركاته ; لكي يعيش العبادة فكراً وحسّاً ، منطقاً وعاطفة ، وتجريداً ووجداناً .
والاتّجاه الآخر يفرّط في الجانب الحسّي ، ويحوّل الشعار إلى مدلول ، والإشارة إلى واقع ، فيجعل العبادة لهذا الرمز بدلا عن مدلوله ، والاتّجاه إلى الإشارة بدلا عن الواقع الذي تشير إليه ، وبهذا ينغمس الإنسان العابد بشكل وآخر في الشرك والوثنية .
وهذا الاتّجاه يقضي على روح العبادة نهائياً ، ويعطّلها بوصفها أداةً
[١] بحار الأنوار ٦ : ١٣٣ ، عن مصباح الشريعة ، باختلاف في اللفظ .