الفتاوى الواضحة - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٨٠٢ - الإيمان بالله هو العلاج
وذلك على الوجه التالي :
أوّلا : أنّ هذا الجانب من المشكلة كان ينشأ من تحويل المحدود والنسبي إلى مطلق خلال عملية تصعيد ذهني ، وتجريد للنسبي من ظروفه وحدوده . وأمّا المطلق الذي يقدّمه الإيمان بالله للإنسان فهو لم يكن من نسيج مرحلة من مراحل الذهن الإنساني ليصبح في مرحلة رشد ذهنيّ جديد قيداً على الذهن الذي صنعه . ولم يكن وليد حاجة محدودة لفرد أو لفئة ليتحوّل بانتصابه مطلقاً إلى سلاح بيد الفرد أو الفئة لضمان استمرار مصالحها غير المشروعة .
فالله سبحانه وتعالى مطلق لا حدود له ، ويستوعب بصفاته الثبوتية كلّ المُثل العليا للإنسان الخليفة على الأرض : من إدراك ، وعلم ، وقدرة ، وقوة ، وعدل ، وغنى .
وهذا يعني أنّ الطريق إليه لا حدّ له ، فالسير نحوه يفرض التحرّك ـ باستمرار وتدرّج ـ النسبي نحو المطلق بدون توقّف ، ( يا أيُّهَا الاِنْسَانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ )[١] . ويعطي لهذا التحرّك مُثله العليا المنتزعة من الإدراك والعلم والقدرة والعدل ، وغيرها من صفات ذلك المطلق الذي تكدح المسيرة نحوه . فالسير نحو مطلق كلّه علم ، وكلّه قدرة ، وكلّه عدل ، وكلّه غِنىً يعني : أن تكون المسيرة الإنسانية كفاحاً متواصلا باستمرار ضدّ كلّ جهل وعجز وظلم وفقر .
وما دامت هذه هي أهداف المسيرة المرتبطة بهذا المطلق فهي إذن ليست تكريساً للإله ، وإنّما هي جهاد مستمرّ من أجل الإنسان وكرامة الإنسان وتحقيق تلك المُثل العليا له ، ( ومَنْ جَاهَدَ فَإنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ
[١] الانشقاق : ٦ .