الفتاوى الواضحة - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٧٣ - إثبات نبوّة الرسول الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)
مَا أتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ )[١] .
وممّا يبهر الملاحظ أنّ القصص الحقّ في القرآن لا يمكن أن تكون مجرّد استنساخ لما جاء في كتب العهدين ، حتى لو افترضنا أن أفكار هذه الكتب كانت شائعةً ومنتشرةً في الوسط الذي ظهر فيه النبي ; لأنّ الاستنساخ يمثّل دوراً سلبياً فقط ، دور الأخذ والعطاء ، بينما دور القرآن في عرض القصّة إيجابي ، فإنّه يصحّح ويعدّل ويفصّل القصة عمّا اُلصقت بها من ملابسات لا تتّفق مع فطرة التوحيد والعقل المستنير والرؤية الدينية السليمة .
ومنها : أنّ القرآن بلغ في روعة بيانه وبلاغته وتجديده في أساليب البيان إلى درجة جعلت منه ـ حتى من وجهة نظر غير المؤمنين بربّانيته ـ حدّاً فاصلا بين مرحلتين من تاريخ اللغة العربية ، وأساساً لتحوّل هائل في هذه اللغة وأساليبها .
وقد أحسّ العرب الذين حدّثهم النبي (صلى الله عليه وآله) بالقرآن بأ نّه لا يشبه إطلاقاً ما ألِفوه من أساليب البيان ، وما نشأوا عليه وأتقنوه من طرائق التعبير ، حتى قال قائلهم حين استمع إلى القرآن : « والله لقد سمعت كلاماً ما هو من كلام الإنس ، ولا من كلام الجنّ ، وإنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق ، وإنّه ليعلو وما يُعلى ، وإنّه ليحطم ما تحته »[٢] .
وكانوا لا يسمحون لأنفسهم بالاستماع إلى القرآن ; إحساساً منهم بأثره الهائل ، وخوفاً من قدرته الفائقة على تغيير نفوسهم ، وهذا دليل على التميّز الهائل للبيان القرآني ، وعدم كونه استمراراً متطوّراً لِمَا ألِفوه .
[١] القصص : ٤٤ ـ ٤٦ .
[٢] القائل هو الوليد بن المغيرة . اُنظر أسباب النزول : ٢٩٥ في سورة المدّثّر ، وإعلام الورى ١ : ٤٢ . ( لجنة التحقيق ) .