الفتاوى الواضحة - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٧١ - إثبات نبوّة الرسول الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)
منغمس في عبادة الأصنام فحسب ، بل كانت أكبر من كلّ الثقافات الدينية التي عرفها العالم يومئذ ، حتى إنّ أيّ مقارنة تبرز بوضوح أ نّها جاءت لتصحّح ما في تلك الثقافات من أخطاء ، وتعدّل ما أصابها من انحراف وتعيدها إلى حكم الفطرة والعقل السليم .
وقد جاء كلّ ذلك على يد إنسان اُمّي في مجتمع وثنيّ شبه معزول ، لا يعرف من ثقافة عصره وكتبه الدينية شيئاً يذكر ، فضلا عن أن يكون بمستوى القيمومة والتصحيح والتطوير .
ومنها : أ نّها جاءت بقيم ومفاهيم عن الحياة والإنسان ، والعمل والعلاقات الاجتماعية ، وجسّدت تلك القيم والمفاهيم في تشريعات وأحكام . وكانت تلك القيم والمفاهيم وهذه التشريعات والأحكام ـ حتى من وجهة نظر من لا يؤمن بربانيتها ـ من أنفس ومن أروع ما عرفه تأريخ الإنسان من قيم حضارية وتشريعات اجتماعية .
فابنُ مجتمع القبيلة ظهر على مسرح العالم والتاريخ فجأةً لينادي بوحدة البشرية ككلّ ، وابن البيئة التي كرّست ألواناً من التمييز والتفضيل على أساس العرق والنسب والوضع الاجتماعي ظهر ليحطّم كلّ تلك الألوان ، ويعلن أنّ الناس سواسية كأسنان المشط ، و ( إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ )[١] ، وليحوّل هذا الإعلان إلى حقيقة يعيشها الناس أنفسهم ، ويرفع المرأة الموءودة إلى مركزها الكريم كإنسان تكافئ الرجل في الإنسانية والكرامة .
وابنُ الصحراء التي لم تكن تفكّر إلاّ في همومها الصغيرة وسدّ جوعتها والتفاخر بين أبنائها ضمن تقسيمها العشائري ، ظهر ليقودها إلى حمل أكبر الهموم ،
[١] الحجرات : ١٣ .