الفتاوى الواضحة - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٦٩ - إثبات نبوّة الرسول الأعظم محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)
كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِين )[١] .
وكان شخص النبي (صلى الله عليه وآله) يمثّل الحالة الاعتيادية من هذه الناحية ، فلم يكن قبل البعثة يقرأ ويكتب ، ولم يتلقّ أيّ تعليم منظّم أو غير منظّم : ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذاً لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ )[٢] .
وهذا النصّ القرآني دليل واضح على مستوى ثقافة الرسول قبل البعثة ، وهو دليل حاسم حتى في حقّ من لا يؤمن بربّانية القرآن ; لأ نّه ـ على أيّ حال ـ نصّ أعلنه النبّي (صلى الله عليه وآله) على بني قومه ، وتحدّث به إلى أعرف الناس بحياته وتأريخه ، فلم يعترض أحد على ما قال ، ولم يُنِكر أحد ما ادّعى .
بل نلاحظ أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يساهم قبل البعثة حتى في ألوان النشاط الثقافي الذي كان شائعاً في قومه من شعر وخطابة ، ولم يؤثَر عنه أيّ تميّز عن أبناء قومه ، إلاّ في التزاماته الخُلُقية وأمانته ونزاهته وصدقه وعفّته .
وقد عاش أربعين سنةً قبل البعثة في قومه دون ان يحسّ الناس من حوله بأيّ شيء يميّزه عنهم سوى ذلك السلوك النظيف ، ودون أن تبرز في حياته أيّ بذور عملية أو اتّجاهات جادّة نحو عملية التغيير الكبرى التي طلع بها على العالم فجأةً بعد أربعين عاماً من عمره الشريف : ( قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ )[٣] .
وكان النبي (صلى الله عليه وآله) قد ولد في مكّة ، وظلّ فيها طيلة الفترة التي سبقت البعثة ، ولم يغادرها إلى خارج الجزيرة العربية إلاّ في سفرتين قصيرتين : إحداهما مع
[١] الجمعة : ٢ .
[٢] العنكبوت : ٤٨ .
[٣] يونس : ١٦ .