المعهد الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٥ - الفصل الأول المعهد الاسلامي منطلق الحضارة
هكذا كانت حياة علمائنا، ولذلك استطاعوا المحافظة على الاسلام، ولو كانوا يفتشون عن الاكل والشرب والمظاهر لاستطاعوا الحصول على ذلك ولكن على حساب الاسلام والرسالة، لقد كانوا زاهدين في كل شيء؛ في الدنيا وفي الرئاسة، فكان الناس يلتفون حولهم، و يرونهم تجسيداً عملياً للدين.
نحن بامكاننا أن نؤسس حوزة في أميركا، ولكن بشرط أن تتجلى صفة الزهد فيها، و بدون ذلك فاننا لا يمكن أن نعود الى روح الاسلام وجوهره، وهذا لا يتعارض مطلقاً مع انتشار الحوزات العلمية و تأسيس الحضارة الاسلامية، و اتصال الجماهير الاسلامية بهذه الحوزات، فهناك طبقة تابعة للدنيا، واصحاب الدنيا لا يأتون عادة ليتعلموا، بل ان هناك من يدخل الحوزة وهو ينتمي عادة الى تلك الفئة النقية المخلصة.
المفهوم الصحيح للزهد:
وهنا لابد ان نعرف معنى (الزهد)؛ الزهد هو أن لا نملك رغبة في قلوبنا، كأن يرغب الانسان في أن يأكل الطعام الفلاني لحبه له، ولكنه يكف عنه رغم ذلك، في حين نرى انساناً آخر شبعان لا يرغب في أن يأكل من طعام معين لشبعه هذا، فمثل هذا الانسان لا ينطلق من (الزهد) في عدم اشتهائه للطعام، بينما ينطلق الاول من هذا المبدأ.
ان الراغب في الدنيا لا تنتهي حاجاته فيها أبداً، فهو- على سبيل المثال- عندما يشتري عشرين ثوباً نراه يرغب في أن يشتري المزيد، أما الانسان الزاهد فهو يشعر ان هذا العدد من الثياب يفيض عن حاجاته، فيزهد بالفائض منها.
فالانسان الحريص على الحياة يتنافس دائماً على مظاهر الحياة وزخارفها، فتوجهه متركز أساساً الى الدنيا، و مثل هذا الانسان من الصعب عليه ان يترك الدنيا، ويقطع علائقه بها، أما الذي يفكر في الآخرة دوماً فنرى ان سلوكه وتصرفاته متوجهة الى الآخرة ومهيئة لها.