المعهد الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٥ - الفصل الثاني بين العلم والتوكل
ساعات الاختلاء بالله- تعالى- كذلك، ففي نفس الوقت الذي تحاول فيه ان تفكّر من الافضل ان تقرأ الادعية والقرآن وتتدبّر فيهما لكي تتفاعل معهما، ونكون بعيدين عن الاجواء الماديّة المحيطة بانفسنا، ونخرج من تلك القوالب الحديديّة التي وضعنا فيها انفسنا، فنكتشف بذلك نواقص انفسنا لنبادر الى اصلاحها.
فلنتفاعل مع آيات القرآن الكريم ومواعظه وعبره، وهكذا الحال بالنسبة الى الادعية والصلاة، فلا بأس ان تفكّر اثناء الصلاة في شؤونك وتتذكّر ذنوبك واخطاءك التي لو قال الآخرون أنها موجودة فيك لنهرتهم، ورفضت الاستماع اليهم، امّا في الصلاة فانّك تشعر بالخجل والحياء من ربّك، ولا تستطيع انكار وجود تلك الانحرافات في نفسك، فتبكي اوتتباكى على ذنوبك في الصلاة عند القنوت.
وعندما تقنت الى ربّك- تعالى- فليس من الضروري ان تكرر نفس العبارات التي تعلّمتها وورثتها من ابيك او جدّك، بل حاول ان تبحث عن ادعية قريبة من نفسك، و معبّرة عن واقعك وتطلّعاتك، واذا لم تجد مثل هذه الادعية، فاقرأ الادعية المأثورة ولكن اشفعها بأدعية تنطلق من قلبك لتشعر بواقعك، وتذكر ذنوبك، وادعُ الله ان يغفر لك هذه الذنوب ذنباً ذنباً لتكون الصلاة معلمة لك، وهذه هي الخلوة المطلوبة التي هي الخلوة الرحمانيّة لا الخلوة الشيطانيّة.
صحيح انّ بعض الناس يختلون بانفسهم ولكن في ايّ شيء يفكّرون، ولأيّ شيء يخططون؟ انّهم يخطّطون ليركزوا مفاسدهم وانحرافاتهم، ويكّرسوا منهجهم المنحرف، امّا الانسان المؤمن فانّه يختلي بنفسه و بينه وبين الله عز وجل- شاهداً عليه، هذا هو سرّ من اسرار النجاح.
واّني إن لم استطع ان اعبر للقارىء الكريم تعبيراً دقيقاً عن كلّ ما يحيط بهذه الفكرة، فانّي اطلب منه ان يجرّب هذه العمليّة بنفسه لكي يكتشف مدى فائدتها، فليجلس بعيداً عن الاضواء، ولا يفكّر في شيء واحد بل في مختلف اموره؛ دراسته، موقفه من الحياة، طريقة تعامله معها، ليفكّر في كلّ هذا، فمجرّد التفكير هو سرّ النجاح في حياة كلّ العظماء الذين درستُ حياتهم، فقد كانت لهم ساعات