المعهد الإسلامي - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤ - الفصل الأول المعهد الاسلامي منطلق الحضارة
اكبر مدرسي الأداب العربية في النجف الاشرف وقم المقدسة، فلم يكن هناك احد يقول هذا افغاني، و ذاك ايراني، لان تعاليم الحوزة مستقاة أساساً من الاسلام الذي يلغي القومية و الاقليمية لكي لا تكونا مانعاً امام طلب العلم.
و التثقيف الذاتي لم يكن يتجلى في الدروس التقليدية فحسب بل في سائر الامور. فتجد الكتب مكدسة عند كل عالم لولعه في قراءة الكتب، وربما لا تجد عنده مايشتري به عشاء ليله لكي يوفر ما يشتري الكتب وبأي ثمن.
هكذا كان طلاب العلم عندنا يتنافسون على اقتناء الكتب و مطالعتها و دراستها. ورغم انه لم تكن آنذاك مطابع تطبع الكتب ولكنك تجد المكتبات مملوءة بالكتب الخطية، لان ولعهم وحرصهم على مطالعة الكتب وعلى تثقيف انفسهم بلغا مبلغاً عظيماً.
الزهد أساس استقلال الحوزات العلمية:
ومن الخصائص الاخرى للحوزات العلمية الاستقلال، ويعتبر الزهد من أعمدة الاستقلال، أكد ذلك الإمام علي (عليه السلام) في قوله: (احتج الى من شئت تكن اسيره، و استغن عمن شئت تكن نظيره). وفي هذا المجال يروي لنا التأريخ ان طلبة العلم عندنا كانوا يقرؤون في الليل على ضوء القمر، ورغم ان البلاد الاسلامية كانت تمتلك الاموال الكثيره الا ان طالب العلم كان عزيز النفس، فلم يكن مستعداً لأن يبيع استقلاله من اجل شهواته، رغم انه كان بامكانه أن يطرق أبواب السلاطين والاغنياء لشبع حاجاته، وليعيش في ترف ورغد.
وقد كانت بيوت علمائنا بسيطة للغاية، ولقد رأينا بيت المرجع السيد محمد الشيرازي (حفظه الله) في كربلاء فوجدنا ان مساحته لم تكن تتجاوز ستين متراً، وهكذا كان بيت والده الميرزا مهدي الشيرازي، الذي كان مرجعاً أيضاً، فقد كان بيتاً صغيراً حتى ان الناس اقترحوا عليه ان يبنوا له بيتاً واسعاً لكي يستطيعوا زيارته، ولكنه رفض ذلك.