الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٠
الدنيا إلى الآخرة ثم إلى ما وراءهما و سفر من عالم الأجرام إلى عالم المثال ثم إلى عالم العقول و في قوله تعالى وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ إشارة إلى هذا المعنى فإن معرفة أمور الآخرة على الحقيقة في معرفة أمور الدنيا لأنها من جنس المضاف و أحد المتضايفين يعرف بالآخر و كأنا قد كدنا أن نخرج من أسلوب المباحثة- فلنعد إلى ما كنا فيه فنقول العلم لما كان مرجعه إلى نحو من الوجود [١] و هو المجرد الحاصل للجوهر الدراك أو عنده كما سنحقق في موضعه و كل وجود جوهري أو عرضي يصحبه ماهية كلية يقال لها عند أهل الله العين الثابت و هي عندنا لا موجودة و لا معدومة في ذاتها [٢] و لا متصفة بشيء من صفات الوجود من العلية و المعلولية و التقدم
[١] ليس المراد بنحو منه مثل وجود ماء أو نار أو غيرهما من الوجودات المحدودة الطبيعية- بل المراد أنه وجود آخر لهذه الماهيات صوري نوري لا كهذا الوجود المادي الظلماني للماهيات الذي لا يصلح للعلمية فأراد قدس سره أن وجود الماهيات في العقل أي في آيات الأنفس كوجودها في آيات الآفاق فكما أن الوجود في الأعيان فيض الله المقدس و إضافته الإشراقية و ليس بجوهر و لا عرض بذاته كذلك العلم وجود هو فيض النفس و إشراقه و ليس بذاته جوهر و لا عرض و أما نفس شيئيات الماهيات فجوهر و كم و كيف و غيرها بالحمل الأولي لا بالشائع إذ الفردية يستدعي الوجود و لا وجود للماهيات بالذات و الوجود الذي لها إنما هو الوجودات المتفرقة و هذا الوجود الذي في الذهن إنما هو للنفس- و هذا بوجه كوجود الماهيات في نشأة العلم الربوبي إذ ذلك الوجود الشامخ إنما هو- للعلم الربوبي لا للماهيات المعلومة.
ثم إن تقسيم الحمل أمر وقع في البين لابتناء تحقيقاته عليه ثم خاض في تتميم الجواب بقوله فإذا تمهدت.
و كل نظره أو جله على أمرين.
أحدهما كون الأشياء في الذهن هي هي بالأولي لا بالشائع.
و ثانيهما كونها كيفا بالحقيقة حذرا من إسناد المسامحة إلى رؤساء العلم- ثم هذا الجواب مع التزام القواعد المشهورة و إلا فقد مضى تحقيقات أخرى، س ره
[٢] إنما قال عندنا مع أن الكل قائلون إن الماهية من حيث هي ليست إلا هي لا موجودة و لا معدومة لأن من قال بأصالة شيئية الماهية قال في الحقيقة الماهية ذاتها موجودة و لو بالانتساب و الحيثية المكتسبة من الجاعل كالوجود عند المصنف قدس سره فهو يقول به لسانا فالمراد أنه لازم مذهبهم و قولهم بها في قوة القول به.
٢٩٠ و نعم ما قال الإمام الرازي الحق أن عدم مجعولية الماهية من متفرعات مسألة الماهية- من حيث هي ليست إلا هيكما سينقل، س ره