الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ١٠
يذوق المشرب و قد صنفته لإخواني في الدين و رفقائي في طريق الكشف و اليقين لأنه لا ينتفع بها كثير الانتفاع إلا من أحاط بأكثر كلام العقلاء و وقف على مضمون مصنفات الحكماء غير محتجب بمعلومه و لا منكرا لما وراء مفهومه فإن الحق لا ينحصر بحسب فهم كل ذي فهم و لا يتقدر بقدر كل عقل و وهم فإن وجدته أيها الناظر مخالفا لما اعتقدته أو فهمته بالذوق السليم فلا تنكره وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فافقهن أن من احتجب بمعلومه و أنكر ما وراء مفهومه فهو موقوف على حد علمه و عرفانه محجوب عن خبايا أسرار ربه و ديانه.
و إني أيضا لا أزعم أني قد بلغت الغاية فيما أوردته كلا فإن وجوه الفهم لا تنحصر فيما فهمت و لا تحصى و معارف الحق لا تتقيد بما رسمت و لا تحوى [١] لأن الحق أوسع من أن يحيط به عقل و حد و أعظم من أن يحصره عقد دون عقد فإن أحللت بالعناية الربانية مشكلها و فتحت بالهداية الإلهية معضلها فاشكر ربك على قدر ما هداك من الحكم و أحمده على ما أسبغ عليك من النعم و اقتد بقول سيد الكونين و مرآة العالمين عليه و على آله من الصلوات أنماها و من التسليمات أزكاها- لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتضلوها و لا تمنعوا أهلها فتظلموها فعليك بتقديسها عن الجلود الميتة و إياك و استيداعها إلا للأنفس الحية كما قرره و أوصى به الحكماء الكبار أولي الأيدي و الأبصار.
و اعلم أني ربما تجاوزت عن الاقتصار على ما هو الحق عندي و اعتمد عليه اعتقادي إلى ذكر طرائق القوم و ما يتوجه إليها و ما يرد عليها ثم نبهت عليه في أثناء النقد [٢] و التزييف [٣] و الهدم و الترصيف [٤] و الذب عنها بقدر الوسع و الإمكان و ذلك لتشحيذ الخواطر بها [٥] و تقوية الأذهان من حيث اشتمالها على
[١] حوى الشيء جمعه،
[٢] نقد الكلام أظهر ما به من العيوب أو المحاسن،
[٣] زيف الدراهم زافها و زافت الدراهم عليه صارت مردودة عليه لغش فيها،
[٤] رصف الحجارة ضم بعضها إلى بعض،
[٥] شحذ السكين و نحوه أحده،