الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٩
بعد ما كانت قاعدة و هبت [١] همتي غب ما كانت راكدة و اهتز الخامد من نشاطي و تموج الجامد من انبساطي و قلت لنفسي هذا أوان الاهتمام و الشروع و ذكر أصول يستنبط منها الفروع و تحلية الأسماع بجواهر المعاني الفائقة و إبراز الحق في صورته المعجبة الرائقة فصنفت كتابا إلهيا للسالكين المشتغلين بتحصيل الكمال و أبرزت حكمة ربانية للطالبين لأسرار حضرة ذي الجمال و الجلال كاد أن يتجلى الحق فيه بالنور الموجب للظهور و قرب أن ينكشف بها كل مرموز و مستور و قد أطلعني الله فيه على المعاني المتساطعة أنوارها في معارف ذاته و صفاته مع تجوال عقول العقلاء حول جنابه- و ترجاعهم حاسرين [٢] و ألهمني بنصره المؤيد به من يشاء من عباده الحقائق المتعالية أسرارها في استكشاف مبدئه و معاده مع تطواف فهوم الفضلاء حريم حماه و تردادهم خاسرين فجاء بحمد الله كلاما لا عوج فيه و لا ارتياب و لا لجلجة [٣] و لا اضطراب يعتريه حافظا للأوضاع رامزا مشبعا في مقام الرمز و الإشباع قريبا من الأفهام في نهاية علوه رفيعا عاليا في المقام مع غاية دنوه إذ قد اندمجت فيه العلوم التألهية- في الحكمة البحثية و تدرعت فيه الحقائق الكشفية بالبيانات التعليمية و تسربلت الأسرار الربانية بالعبارات المأنوسة للطباع و استعملت المعاني الغامضة في الألفاظ القريبة من الأسماع فالبراهين تتبختر [٤] اتضاحا و شبه الجاهلين للحق تتضاءل [٥] افتضاحا- انظر بعين عقلك إلى معانيه هل تنظر فيه من قصور ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ إلى ألفاظه- هَلْ تَرى فيه مِنْ فُطُورٍ و قد أشرت في رموزه إلى كنوز من الحقائق لا يهتدي إلى معناها إلا من عنى [٦] نفسه بالمجاهدات العقلية حتى يعرف المطالب و نبهت في فصوله إلى أصول لا يطلع على مغزاها [٧] إلا من أتعب بدنه في الرياضات الدينية لكيلا
[١] هبت الريح ثارت و هاجت،
[٢] حسر كضرب أعيا،
[٣] اللجلجة و التلجلج التردد في الكلام،
[٤] تبختر مشى مشية حسنة،
[٥] أي تصغر و تضعف،
[٦] عنى نفسه آذاها و كلفها ما يشق عليها،
[٧] مغزى الكلام مقصده،