الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٠
فصل (٣) في أن الوجود خير محض [١]
هذه المسألة إنما تتضح حق اتضاحها بعد ما ثبت أن لمفهوم الوجود المعقول- الذي من أجلى البديهيات الأولية مصداقا في الخارج و حقيقة و ذاتا في الأعيان و أن حقيقتها نفس الفعلية و الحصول و الوقوع لا بالمعنى المصدري كما ظنه المتأخرون كلهم بل بمعنى أنها نفس حقيقة الوقوع و ما به الوقوع سواء كان الوقوع وقوع نفسه أي نفس الوجود أو وقوع شيء آخر هو الماهية و أما من لم يضع للمفهوم من الوجود- عند العقل حقيقة و ذاتا سوى هذا المفهوم الانتزاعي البديهي التصور فيصعب عليه بل لا يجوز له دعوى كون الوجود خيرا محضا لأن [٢] معنى الخير ما يؤثر عند العقلاء
[١] هذه مسألة عمدة نافعة كثيرا سيما في التوحيد و ادعوا فيها البداهة و بعضهم برهن عليه و هو مذكور في شرح حكمة الإشراق و في إلهيات هذا الكتاب فبطل قول من أورد على الحكماء أنهم لم يبرهنوا هذه المسألة مع شموخها و ذلك لبداهتها كما علمت، س ره
[٢] إشارة إلى برهان المسألة من طريق تحليل معنى الخير و هو أن الطلب و الإرادة لا تتعلق بشيء إلا بعد ترجحه على غيره بمرجح على ما سيتبين و المعنى الذي هو ملاك الترجح هو المسمى بالخير و به يتحقق اختيار المراد و يستوجب تعلق الإرادة و الشوق فالخير ما يؤثر على غيره و يشتاق إليه و يطلبه الموجودات و الخير إما خير مطلوب لذاته أو لأمر آخر مرتبط به و ينتهي إلى ما يطلب لذاته فهناك ما هو خير بالغير و ما هو خير بالذات أي ذاته عين المطلوبية لغيره و هو الذي يطلبه كل شيء و ينتهي إليه كل غاية- و ليس إلا وجودا فإن العدم لا ذات له و الماهية غير أصيلة فالخير هو وجود و إذ كان لحوقه للوجود من دون حيثية تقييدية أصلا كان منتزعا من نفس حقيقة الوجود فالخير هو الوجود و الوجود هو الخير بالذات و ليس الشر إلا العدم.
و من هنا يظهر أن للخير مراتب مختلفة بحسب مراتب الوجود المختلفة و يتبين بذلك مسألتان من المسائل الثلاث المعقود لها هذا الفصل أعني أن الوجود خير و العدم شر و أن الخير ذو مراتب بحسب مراتب الوجود و أما المسألة الثالثة و هي أن الوجود قد يكون شرا بالقياس فهي التي بينها بقوله ثم اعلم أن الوجودات إلخ و يتبين به أن الشر بالقياس إنما يتحقق في عالم المادة فقط لا فيما وراءه و أما ما أشار إليه من مسألة دخول الشر في القضاء بالعرض فسيتبين في الإلهيات بالمعنى الأخص، ط