الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٠
نقضا على من أثبت وجودا آخر للمدركات الحسية سوى هذا الوجود العيني في عالم المواد الجسماني.
و بالجملة فإنما يثبت بأدلة الوجود العلمي للأشياء الصورية وجود عالم آخر- و أن لهذه الصور و الأشباح وجودا آخر سوى ما يظهر على الحواس الظاهرة و بذلك الوجود ينكشف و يظهر عند القوى الباطنية بل ربما يشاهدها النفس المجردة المنزهة عن مقارنة شيء من هذين الوجودين المستعلية عن مخالطة هذين العالمين بمعونة القوى الباطنية كما يشاهد هذه الأشباح بمعونة القوى الظاهرة و بالجملة يستدل النفس المجردة بإدراك القوى الظاهرة على وجود هذا العالم و بإدراك القوى الباطنة على ثبوت عالم آخر شبحي مقداري كما يستدل بإدراك ذاتها و الحقائق العقلية على وجود عالم عقلي خارج عن القسمين عال على الإقليمين لأنا ندرك ما شاهدناه مرة من أشخاص هذا العالم بعد انعدامه على الوجه الذي شاهدناه أولا من المقدار و الشكل و الوضع به ينتصب عند المدرك و به يتمثل بين يديه بخصوصه- و له وجود البتة و ليس في هذا العالم بالفرض فوجوده في عالم آخر فذهب أفلاطن و القدماء من الحكماء الكبار و أهل الذوق و الكشف من المتألهين إلى أن موجودات ذلك العالم قائمة لا في مكان و لا في جهة بل هو واسطة بين عالم العقل و عالم الحس- إذ الموجودات العقلية مجردة عن المادة و توابعها من الأين و الشكل و الكم و اللون و الضوء و أمثالها بالكلية و الموجودات الحسنة مغمورة في تلك الأعراض و أما الأشباح المثالية الثابتة في هذا العالم فلها نحو تجرد حيث لا يدخل في جهة و لا يحويها مكان و نحو تجسم حيث لها مقادير و أشكال.
و خلاصة ما ذكره الشيخ المتأله شهاب الدين السهروردي في حكمة الإشراق- لإثبات هذا المطلب أن الإبصار ليس بانطباع صورة المرئي في العين [١] على ما هو
[١] تمهيد لقوله فكذلك صورة المرآة ليست في البصر لتدخل في الكلية حتى يقول صورة المرآة ليست في كذا و لا في كذا فيكون في كذا و هو عالم المثال.
ثم اعلم أن تضعيف الوهم هذه الأشباح الخيالية المثالية سره جعلها مرائي لحاظ الماديات الجزئية لا ملحوظا بالذات لكونها عنده أرغب و أحب لكن اشتبه عليه أن مرغوبيتها و حسنيتها بمدخلية البدن فلو لا حرارة الكبد لم يكن الماء البارد الجزئي بهذه المثابة من المرغوبية و هكذا، س ره