الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة - الملا صدرا - الصفحة ٣
و هي العلم بالله و صفاته و ملائكته و كتبه و رسله و كيفية صدور الأشياء منه على الوجه الأكمل و النظام الأفضل و كيفية عنايته و علمه بها و تدبيره إياها بلا خلل و قصور و آفة و فتور و علم النفس و طريقها إلى الآخرة و اتصالها بالملإ الأعلى و افتراقها عن وثاقها [١] و بعدها عن الهيولى إذ بها يتم لها الانطلاق عن مضايق الإمكان و النجاة عن طوارق الحدثان [٢] و الانغماس في بحار الملكوت و الانتظام في سلك سكان الجبروت- فيتخلص عن أسر الشهوات و التقلب في خبط العشوات و الانفعال عن آثار الحركات- و قبول تحكم دورات السماوات.
و أما ما وراءها فإن كان وسيلة إليها فهو نافع لأجلها و إن لم يكن وسيلة إليها- كالنحو و اللغة و الشعر و أنواع العلوم فهي حرف و صناعات كباقي الحرف و الملكات.
و أما الحاجة إلى العمل و العبادة القلبية و البدنية فلطهارة النفس و زكائها- بالأوضاع الشرعية و الرياضات البدنية لئلا تتمكن للنفس بسبب اشتغالها بالبدن- و نزوعها [٣] إلى شهواته و شوقها إلى مقتضياته هيئة انقهارية للبدن و هواه فترسخ لها ملكة انقيادية لمشتهاه و تمنعها إذا مات البدن عن لذاتها الخاصة بها من مجاورة المقربين- و مشاهدة الأمور الجميلة و أنوار القدسيين و لا يكون معها البدن فيلهيها كما كان قبل البدن ينسيها فصدر من الرحمة الإلهية و الشريعة الرحمانية الأمر بتطويع القوى الإمارة للنفس المطمئنة بالشرائع الدينية و السياسات الإلهية رياضة للجسد و هواه- و مجاهدة للنفس الآدمية مع أعداه من قواه لينخرط معها في سلك التوجه إلى جناب الحق من عالم الزور و معدن الغرور و لا يعاوقها بل يشايعها في مطالبها و يرافقها في مآربها.
[١] الوثاق بالفتح و الكسر ما يشد به من قيد و حبل و نحوهما
[٢] الطارقة مؤنث الطارق و هو الآتي ليلا و أيضا الطارقة الداهية و الجمع طوارق- حدثان الدهر نوائبه
[٣] نزع إلى أهله اشتاق