الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ١٧
ثم إنه جلس على أعلى مرقاة من المنبر وقال: آه ثم آه، لتعريض الشفاه، وذبول الأفواه.
قال (عليه السلام): فالتفت يميناً وشمالاً، ونظر إلى بطون العرب وساداتهم، ووجوه أهل الكوفة وكبار القبائل بين يديه، وهم صموت كأن على رؤوسهم الطير، فتنفس الصعداء، وأنَّ كمداً، وتململ حزيناً، وسكت هنيهة.
فقام إليه سويد بن نوفل، وهو كالمستهزئ، وهو من سادات الخوارج، فقال: يا أمير المؤمنين، أأنت حاضر ما ذكرت، وعالم بما أخبرت؟!
قال: فالتفت إليه الإمام (عليه السلام)، ورمقه بعينه رمقة الغضب.
فصاح سويد بن نوفل صيحة عظيمة من عظم نازلة نزلت به، فمات من وقته وساعته، فأخرجوه من المسجد، وقد تقطع إرباً إرباً.
فقال (عليه السلام): أبمثلي يستهزئ المستهزئون، أم علي يتعرض المتعرضون؟! أويليق لمثلي أن يتكلم بما لا يعلم، ويدعي ما ليس له بحق. هلك والله المبطلون، وأيم الله لو شئت ما تركت عليها من كافر بالله، ولا منافق برسوله، ولا مكذب بوصيه، وإنما أشكو بثي وحزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون.
قال: فقام إليه صعصعة بن صوحان، وميثم، وإبراهيم بن مالك الأشتر، وعمر بن صالح، فقالوا: يا أمير المؤمنين، قل لنا بما يجري في آخر الزمان، فإن قولك يحيي قلوبنا، ويزيد في إيماننا.
فقال: حباً وكرامة.. ثم نهض (عليه السلام) قائماً وخطب خطبة