الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) - العاملي، جعفر مرتضى - الصفحة ٣٣٤
أتى من قبل ذينك المقتوليِن، لأن قريشاً لا تنطلق في مواقفها من موازين عادلة ومنصفة، لا عقلية ولا عقلائية، بل موازينها، ومنطلقاتها في الحب والبغض، والسلم والحرب هو مصالحها، وعصبياتها، وغرائزها وأهواؤها كما هو معلوم..
وقد ظهرت آثار هذا الحقد بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأجلى صورها..
ويكفي أن نذكِّر بقول محاربي الإمام الحسين للحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء: "نقاتلك بغضاً منا لأبيك".
وتقدم أن يزيد لعنه الله يقتل ريحانة رسول الله، وسيد شباب أهل الجنة، ثم يتمثل بأبيات ابن الزبعري:
| ليت أشياخي ببدر شهدوا | جزع الخزرج من وقع الأسل |
| الخ... |
الذي جرَّأ علياً (عليه السلام) على الدماء:
قال ابن الجوزي:
روى أحمد في مسنده: أنه تنازع أبو عبد الرحمن السلمي، وحيان بن عبد الله، فقال أبو عبد الرحمن لحيان: قد علمت ما الذي جرأ صاحبك ـ يعني علياً ـ.
قال: ما هو؟!
قال: قول النبي (صلى الله عليه وآله): لعل الله اطلع إلى أهل بدر.
فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم.
وهذا سوء فهم من أبي عبد الرحمن، حين ظن أن علياً (عليه السلام) إنما قاتل وقتل، اعتماداً على أنه قد غفر له.
وينبغي أن يعلم: أن معنى الحديث: لتكن أعمالكم المتقدمة ما كانت، فقد غفرت لكم.
فأما غفران ما سيأتي فلا يتضمنه ذلك. أتراه لو وقع من أهل بدر ـ وحاشاهم ـ الشرك؛ إذ ليسوا بمعصومين، أما كانوا يؤاخذون به؟! فكذلك المعاصي.
ثم لو قلنا: إنه يتضمن غفران ما سيأتي، فالمعنى: أن مآلكم إلى الغفران.
ثم دعنا من معنى الحديث، كيف يحل لمسلم أن يظن في أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فعل ما لا يجوز اعتماداً على أنه سيغفر له؟! حوشي من هذا. وإنما قاتل بالدليل المضطر له إلى القتال، فكان على الحق.
ولا يختلف العلماء: أن علياً (عليه السلام) لم يقاتل أحداً إلا والحق مع علي.
كيف وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم أدر الحق معه كيفما دار.