تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٥٠ - غزوة خيبر
القتال حتى كثرت به الجراحة فكاد بعض الناس يرتاب فوجد الرجل ألم الجراحة فأهوى بيده الى كنانته فاستخرج منها سهما فنحر نفسه فاشتدّ رجال من المسلمين فقالوا يا رسول اللّه صدّق اللّه حديثك انتحر فلان فقتل نفسه فقال قم يا فلان فناد لا يدخل الجنة الا مؤمن و ان اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر* و فى رواية قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عند ذلك ان الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس و هو من أهل النار و ان الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس و هو من أهل الجنة كذا فى المواهب اللدنية* و روى ان عليا لما انتهى الى حصن قموص كان أوّل من خرج إليه من الحصن الحارث اليهودى أخو مرحب مع اتباعه و باشهر الحرب و قتل رجلين من المسلمين فقتله علىّ فلما رأى مرحب أن أخاه قد قتل خرج من الحصن سريعا مع اتباعه و هو يرتجز و يقول
قد علمت خيبر انى مرحب* * * شاكى السلاح بطل مجرّب
أطعن أحيانا و حينا أضرب* * * اذا الحروب أقبلت تلهب
ان حماى للحمى لا يقرب
روى أنه لم يكن فى أهل خيبر أشجع من مرحب و كان يومئذ قد لبس درعين و تقلد بسيفين و اعتمّ بعمامتين و لبس فوقهما مغفرا و حجرا قد ثقبه قدر البيضة* و فى معالم التنزيل كهيئة البيضة على رأسه و له رمح سنانه ثلاثة أسنان و لم يقدر أحد من أهل الاسلام أن يقاومه فى الحرب فبرز له علىّ و هو يرتجز و يقول
أنا الذي سمتنى أمى حيدره* * * ضرغام آجام و ليث قسوره
و فى الكشاف كانت أمّه فاطمة بنت أسد رضى اللّه عنها سمته أسدا باسم أبيها و كان أبو طالب غائبا فلما رجع كره ذلك و سماه عليا* و فى معالم التنزيل و الكشف* كليث غابات كريه المنظرة* بدل* ضرغام آجام و ليث قسوره* عبل الذراعين غليظ القصرة* أو فيهم و فى رواية* أكيلكم بالصاع كيل السندرة* قوله عبل الذراعين أى ضخمهما و القصرة أصل العنق و السندرة ضرب من الكيل كبير و اسم امرأة كانت تبيع القمح و توفى الكيل كذا فى القاموس قيل لعلّ النكتة فى ارتجاز علىّ بهذا الرجز أنّ مرحبا كان قد رأى فى المنام أنّ أسدا يفترسه فلعلّ اللّه أطلع عليا على رؤيا مرحب فأراد أن بذكره رؤياه ليقذف فى قلبه الرعب فيجبن جبن الرباح و لا تقوى يده على حمل السلاح* و فى حياة الحيوان الرباح بفتح الراء و الباء المخففة دويبة كالسنور و هى التي يجلب منها الزباد و ذكر القرود و فى الامثال قالوا أجبن من الرباح* فلما اختلطا أراد مرحب أن يضرب عليا فسبقه علىّ فعلاه بالسيف و هو ذو الفقار فتترس مرحب فوقع السيف على الترس فقدّه و الحجر و المغفر و العمامتين و فلق هامته حتى أخذ السيف فى الاضراس كذا فى معالم التنزيل* قيل هذا أى قتل علىّ مرحبا هو الصحيح و ما نظمه بعض الشعراء يؤيده و هو
علىّ حمى الاسلام من قتل مرحب* * * غداة اعتلاه بالحسام المضخم
و فى رواية قتله محمد بن مسلمة* فى الاكتفاء و لما افتتح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من حصونهم ما افتتح و حاز من الاموال ما حاز انتهوا الى حصنيهم الوطيح و السلالم و كانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا فحاصرهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بضع عشرة ليلة و خرج مرحب اليهودى من حصنهم قد جمع سلاحه و هو ينادى من يبارز و يرتجز و يقول
قد علمت خيبر أنى مرحب* * * شاكى السلاح بطل مجرّب