تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٣٤٨ - ترجمة حسين بن منصور الحلاج
فاعترفوا بأنه قد صح عندهم أنه إله و أنه يحيى الموتى و قابلوا الحلاج على ذلك فأنكر و قال أعوذ باللّه أن أدّعى الربوبية و النبوّة و انما أنا رجل أعبد اللّه عز و جل فأحضر حامد القاضى أبا عمرو و القاضى أبا جعفر بن البهلول و جماعة من وجوه الفقهاء و الشهود و استفتاهم فقالوا لا نفتى فى أمره بشيء الا أن يصح عندنا ما يوجب قتله و لا يجوز قبول قول من يدّعى عليه ما ادّعاه الا ببينة أو اقرار و كان يخرج الحلاج الى مجلسه و يستنطقه فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة المطهرة و طال الامر على ذلك و حامد الوزير مجدّ فى أمره و جرى له قصص يطول شرحها و فى آخرها انّ الوزير رأى له كتابا حكى فيه انّ الانسان اذا أراد الحج و لم يمكنه أفرد من داره بيتا لا يلحقه شيء من النجاسات و لا يدخله أحد فاذا حضرت أيام الحج طاف حوله و فعل ما يفعله الحاج بمكة ثم يجمع ثلاثين يتيما و يصنع أجود طعام يمكنه و يطعمهم فى ذلك البيت و يخدمهم بنفسه فاذا فرغوا كساهم و أعطى كل واحد منهم تسعة دراهم فاذا فعل ذلك كان كمن حج فلما قرئ هذا الكتاب على الوزير قال القاضى أبو عمرو للحلاج من أين لك هذا قال من كتاب الاخلاص للحسن البصرى قال له كذبت يا حلاج الدم سمعناه بمكة و ليس فيه هذا فكتب القاضى و من حضر المجلس باباحة دمه فأرسل الوزير الفتاوى الى الخليفة فاستأذن فى قتله و سلمه الوزير الى صاحب الشرطة فضربه ألف سوط فما تأوّه ثم قطع يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم قتل و أحرق بالنار فلما صار رمادا ألقى فى الدجلة و نصب الرأس ببغداد و أرسل الى خراسان لانه كان له بها أصحاب و أقبل بعض أصحابه يقولون انه لم يقتل و انما ألقى شبهه على دابة و انه يجىء بعد أربعين يوما و بعضهم يقول لقيته بطريق النهروان و أنه قال له لا تكونوا مثل هؤلاء البقر الذين يظنون أنى ضربت و قتلت* و فى حياة الحيوان نقلا عن تاريخ ابن خلكان رسم المقتدر بتسليمه الى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة فتسلمه بعد العشاء خوفا من العامّة أن تنزعه من يده ثم أخرجه يوم الثلاثاء لست بقين من ذى القعدة سنة سبع و ثلاثمائة عند باب الطاق و اجتمع خلق كثير فأمر به فضربه الجلاد ألف سوط فما استعفى و لا تأوّه ثم قطع أطرافه الاربعة و هو ساكن لا يضطرب ثم حز رأسه و أحرقت جثته و ألقى رماده فى دجلة و نصب الرأس ببغداد ثم حمل و طيف به فى النواحى و البلاد و جعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما و اتفق أن زاد دجلة تلك السنة زيادة وافرة فادّعى أصحابه انّ ذلك بسبب القاء رماده فيها و ادّعى بعض أصحابه انه لم يقتل و انما ألقى شبهه عند قتله على عدوّ له* و ذكر الشيخ الامام عز الدين بن عبد السلام المقدسى فى مفاتيح الكنوز انه لما أتى به ليصلب و رأى الخشب و المسامير ضحك ضحكا كثيرا ثم نظر فى الجماعة فرأى الشبلى فقال له يا أبا بكر أ ما معك سجادة قال بلى قال افرشها لى ففرشها فتقدّم و صلى ركعتين فقرأ فى الاولى بفاتحة الكتاب و من بعدها و لنبلونكم بشيء من الخوف الآية ثم قرأ فى الثانية بفاتحة الكتاب و من بعدها كل نفس ذائقة الموت ثم ذكر كلاما كثيرا ثم تقدّم أبو الحارث السياف و لطمه لطمة هشم وجهه و أنفه فصاح الشبلى و مزق ثيابه و أغشى على أبى الحسن الواسطى و على جماعة من المشايخ و كان الحلاج يقول اعلموا ان اللّه قد أباح لكم دمى فاقتلونى ليس للمسلمين اليوم أهم من قتلى و قد اضطرب الناس فى أمره اضطرابا متباينا فمنهم من يعظمه و منهم من يكفره* و قد ذكر الامام قطب الوجود حجة الاسلام فى كتاب مشكاة الانوار فصلا طويلا فى أمره و اعتذر عن اطلاقاته كقوله أنا الحق و ما فى الجبة الا اللّه و حملها كلها على محامل حسنة و قال هذا من فرط المحبة و شدّة الخوف و الوجل و هو كقول القائل أنا من أهوى و من أهوى أنا* نحن روحان حللنا بدنا* و حسبك هذا مدحة و تزكية و كان ابن شريح اذا سئل عنه يقول هذا رجل قد خفى علىّ حاله و ما أقول فيه شيئا و هذا شبيه بكلام عمر بن