تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ١٢٣ - غزوة تبوك
الطبرانى من حديث عمران بن الحصين قال كانت النصارى كتبت الى هرقل ان هذا الرجل الذي خرج يدّعى النبوّة قد هلك و أصابتهم سنون فهلكت أموالهم فبعث رجلا من عظمائه و جهز معه أربعين ألفا كذا فى المواهب اللدنية فلما سمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك أمر الناس بالتأهب للشام و التجهز للمسير إليها و كان الزمان زمان حرّ و عسرة عسرة الظهر و عسرة الزاد و عسرة المال و كان العشرة يتعقبون على بعير واحد و ربما يمص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها و كانوا يعصرون الفرث و يشربونه من شدّة العطش و عن عمر بن الخطاب قال نزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ان الرجل لينحر بعيرا فيعصر فرثه و يشربه و يجعل ما بقى على كبده كذا فى معالم التنزيل و فى تفسير عبد الرزاق عن معمر عن ابن عقيل قال فخرجوا فى قلة من الظهر فى حرّ شديد حتى انهم كانوا ينحرون البعير و يشربون ما فى كرشه من الماء فكان ذلك الوقت عسرة فى الماء و الظهر و النفقة فسميت غزوة العسرة و لم يقع فى هذه الغزوة قتال و لكن فتحوا فى هذا السفر دومة الجندل و كانت الروم و الشام من أعظم أعداء المسلمين و أهيبهم عندهم و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) اذا غزا غزوة ورّى بغيرها الا غزوة تبوك فانه أخبر الناس بها و أظهر ليتأهبوا لها الاهبة و يستعدّوا لبعد السفر و شدّة الزمان و بعث رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الى القبائل من العرب و الى أهل مكة و كانوا كلهم مسلمين فى هذا الوقت يستنفرهم الى الغزو و حض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من عنده من المسلمين على الجهاد و رغبهم فيه و أمرهم بالصدقة فجاءوا بصدقات كثيرة و كان أوّل من جاء بها أبو بكر جاء بماله كله أربعة آلاف درهم و جاء عمر بنصف ماله و جاء العباس بن عبد المطلب بمال كثير و جاء طلحة بمال و جاء عبد الرحمن بن عوف بمائتى أوقية من الفضة و جاء سعد بن عبادة بمال و جاء محمد بن مسلمة بمال و جاء عاصم بن عدى بتسعين وسقا من تمر و جهز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش و كفاهم مئونتهم فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما يضرّ عثمان بن عفان ما فعل بعد اليوم* و فى المواهب اللدنية و كان عثمان بن عفان قد جهز عيرا الى الشام فقال يا رسول اللّه هذه مائتا بعير باقتابها و احلاسها و مائتا أوقية فضة قال فسمعته يقول لا يضرّ عثمان ما فعل بعدها* و روى عن قتادة أنه قال حمل عثمان فى جيش العسرة على ألف بعير و سبعين فرسا و عن عبد الرحمن بن سمرة قال جاء عثمان بن عفان بألف دينار فى كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها فى حجره عليه الصلاة و السلام فرأيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يقلبها فى حجره و يقول ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم خرجه الترمذى و قال حديث غريب و عند الفضائلى و الملا فى سيرته كما ذكره الطبرى فى الرياض النضرة من حديث حذيفة بعث عثمان يعنى فى جيش العسرة بعشرة آلاف دينار الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فصبت بين يديه فجعل (صلى اللّه عليه و سلم) يقول بيديه و يقلبها ظهرا لبطن و يقول غفر اللّه لك يا عثمان ما أسررت و ما أعلنت و ما هو كائن الى يوم القيامة ما يبالى ما عمل بعدها و جعل الرجل من ذوى اليسار يحمل الرهط من فقراء قومه و يكفيهم مئونتهم و بعثت النساء بكل ما قدرن عليه من مسك و معاضد و خلاخل و قرطة و خواتيم و الناس فى عسرة شديدة و قد طابت الثمار و أحنت الظلال و الناس يحبون المقام و يكرهون الخروج لشدة الزمان و أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بالانكماش و الجدّ و ضرب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) معسكره بثنية الوداع و كانوا ثلاثين ألفا و قال (صلى اللّه عليه و سلم) ذات يوم و هو فى جهازه للجدّ بن قيس و هو أحد بنى سلمة يا أبا قيس هل لك أن تخرج معنا لعلك تحتقب من بنات الاصفر الاحتقاب هو الاحتمال و المحتقب المردف كذا فى الصحاح فقال الجدّ لقد علم قومى انى من أشدّهم عجبا بالنساء و انى اذا رأيتهنّ لم أصبر عنهنّ فأذن لى فى المقام و لا تفتنى فأعرض رسول اللّه صلى الله
عليه