تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٣٧٦ - وصول هولاكو الى بغداد
فثقبه ثقبا كالترس و علقت النار فيه و فى السقف الاسفل ففتح الخادم أبواب المسجد قبل الوقت المعتاد و قبل اسراجه و نودى بالحريق فى المسجد فاجتمع أمير المدينة و أهلها بالمسجد الشريف و صعد أهل النجدة منهم بالمياه لاطفاء النار و قد التهبت سريعا فى السقفين و أخذت لجهة الشمال و المغرب فعجزوا عن اطفائها و كلما حاولوه لم تزدد الا التهابا و اشتعالا فحاولوا قطعها بهدم بعض ما أمامها من السقف فسبقتهم لسرعتها و تطبق المسجد بدخان عظيم فخرج غالب من كان به و لم يستطيعوا المكث فكان ذلك سبب سلامتهم و هرب من كان بسطح المسجد الى شماليه و نزلوا بما كان معهم من حبال الدلاء التي استقوا بها الماء لخارج المسجد على الميضأة و البيوت التي هناك و ما حول ذلك و سقط بعضهم فهلك و نزل طائفة منهم الى المسجد من الدرج فاحترق بعضهم و لجأ بقيتهم الى صحن المسجد مع من حالت النار بينه و بين أبواب المسجد ممن كان اسفل منهم و منهم الشيخ شمس الدين محمد بن المسكين المعروف بالعوفى فمات بعد أيام لضيق نفسه بسبب الدخان و احترق من الخدام الزينى سند نائب خازندار الحرم و مات جماعة تحت هدم الحريق من الفقراء و سودان المدينة و جملة من مات بسبب ذلك بضع عشرة نفسا و كان سلامة من بقى بالمسجد على خلاف القياس لانّ النار عظمت جدّا حتى صار المسجد كبحر لجىّ من نار و لها زفير و شهيق و ألسن تصعد فى الجوّ و صار لهبها يؤثر من بعيد حتى أثرت فى النخلات التي فى صحن المسجد* و فى سنة أربع و خمسين و ستمائة خرج الطاغية العنيد مبيد الامم هولاكو فأخذ قلعة الموت من الاسماعيلية و قتلهم و أخرب نواحى الرى و بذلت السيوف على عوائدهم فتوجه الكامل محمد صاحب ميافارقين الى خدمة هولاكو فأعطاه القرمان ثم نزل هولاكو باذربيجان و أخذها* و فى سنة خمس و خمسين و ستمائة ثارت فتنة مهولة ببغداد بين السنية و الرافضة أدّت الى نهب عظيم و خراب و قتل عدّة من الرافضة فغضب لها و تنمر ابن العلقمى الوزير و جسر التتار على العراق ليشتفى من السنية*
وصول هولاكو الى بغداد
و فى أوّل سنة ست و خمسين و ستمائة وصل الطاغية هولاكو بن تولى بن جنكيزخان المغلى بغداد بجيوشه و بالكرج و بعسكر الموصل فخرج الدويدار بالعسكر فالتقى طلائع هولاكو و عليهم ياجونوس فانكسر المسلمون لقلتهم ثم أقبل ياجونوس فنزل على بغداد من غربيها و نزل هولاكو من شرقيها فقال الوزير ابن العلقمى للخليفة المستعصم باللّه انى أخرج الى القاآن الاعظم فى تقرير الصلح فخرج الكلب و توثق لنفسه و رجع فقال انّ القاآن قد رغب فى أن يزوّج بنته بابنك و أن تكون الطاعة له كالملوك السلجوقية و يرحل عنك فخرج المستعصم فى أعيان دولته و أكابر الوقت ليحضروا العقد فضربت رقاب الجميع و قتلوا الخليفة رفسوه حتى مات و دخلت التتار بغداد و اقتسموها و كل أخذ ناحية و بقى السيف يعمل أربعة و ثلاثين يوما و قلّ من سلم فبلغت القتلى ألف ألف و ثمانمائة ألف و زيادة فعند ذلك نادوا بالامان ثم أمر هولاكو بضرب عنق ياجونوس لكونه كاتب الخليفة و أرسل الى صاحب الشام يهدّده ان لم يخرب أسوار بلاده كذا فى دول الاسلام* و فى تاريخ الجمالى يوسف سبب قتل المستعصم باللّه انه لما ولى الخلافة لم يستوثق أمره لانه كان قليل المعرفة بتدبير الملك نازل الهمة مهملا للامور المهمة محبا لجمع المال أهمل أمر هولاكو و انقاد الى وزيره ابن العلقمى حتى كان فى ذلك هلاكه و هلاك الرعية فانّ وزيره ابن العلقمى الرافضى كان كتب كتابا الى هولاكو ملك التتار فى الدشت انك تحضر الى بغداد و انا أسلمها لك و كان قد داحل قلب اللعين الكفر فكتب هولاكو انّ عساكر بغداد كثيرة فان كنت صادقا فيما قلته و داخلا فى طاعتنا فرّق عساكر بغداد و نحن نحضر* فلما وصل كتابه الى الوزير دخل الى المستعصم و قال ان جندك كثيرة و عليك كلفة كبيرة و العدوّ قد رجع