تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٣٧٥ - ذكر الاحتراق الثانى
من جانبى السدّ و من دونه مما يلى جبل وعر و تلك النواحى فجاء سيل طام لا يوصف و لو زاد مقدار ذراع فى الارتفاع وصل الى المدينة و كان أهل المدينة يقفون خارج باب البقيع على التل الذي هناك فيشاهدونه و يسمعون خريرا توجل القلوب دونه فسبحان القادر على ما يشاء* و من العجائب انّ فى السنة التي ظهرت فيها هذه النار احترق المسجد الشريف النبوى بعد انطفائها و سيجيء و زادت دجلة زيادة عظيمة فغرق أكثر بغداد و تهدّمت دار الوزير و كان ذلك انذارا لهم وليتهم اتعظوا*
ذكر احتراق المسجد النبوى
قال المؤرّخون احترق المسجد النبوى ليلة الجمعة أوّل شهر رمضان من سنة أربع و خمسين و ستمائة فى أوّل الليل و نقل أبو شامة انّ ابتداء حرقه كان من زاويته الغربية من الشمال و سبب ذلك كما ذكره أكثرهم انّ أبا بكر بن أوحد الفراش أحد القوام بالمسجد الشريف دخل الى حاصل المسجد هناك و معه نار فغفل عنها الى ان علقت فى بعض الآلات التي كانت فى الحاصل و أعجزه اطفاؤها ثم احترق الفراش المذكور و الحاصل و جميع ما فيه* و قال القسطلانى دخل أحد قومة المسجد فى المخزن الذي فى الجانب الغربى من أخريات المسجد لاستخراج قناديل لمنائر المسجد فاستخرج منها ما احتاج إليه ثم ترك الضوء الذي كان فى يده على قفص من أقفاص القناديل و فيه مشاق فاشتعلت فيه النار و بادر لان يطفئه فغلبته و علقت بحصر المسجد و بسطه و أقفاص و قصب كان فى المخزن ثم تزايد الالتهاب و تضاعف الى ان علا الى سقف المسجد* و فى العبر للذهبى ان حرقه كان من مسرجة القوّام* قال المؤرّخون ثم دبت النار فى السقف بسرعة آخذة قبلة و أعجزت الناس عن اطفائها بعد أن نزل أمير المدينة و اجتمع معه غالب أهل المدينة فلم يقدروا على اطفائها و ما كان الا أقل من القليل حتى استولى الحريق على جميع سقف المسجد الشريف و احترق جميعه حتى لم يبق خشبة واحدة سالمة قال القسطلانى و تلف جميع ما احتوى عليه المسجد الشريف من المنبر النبوى و الابواب و الخزائن و الشبابيك و المقاصير و الصناديق و ما اشتملت عليه من كتب و كسوة الحجرة و كان عليها أحد عشر ستارة* ثم ذكر القطب حكما لذلك و أسرارا ككون تلك الزخارف لم ترضاه (عليه السلام) و أنشد ابراهيم بن محمد الكنانى رئيس المؤذنين هو و أبوه قال وجد بعد الحريق فى بعض جدران المسجد بيتان و هما شعر
لم يحترق حرم النبيّ لريبة* * * يخشى عليه و ما به من عار
لكنه أيدى الروافض لامست* * * تلك الرسوم فطهرت بالنار
و أوردهما المجد هكذا شعر
لم يحترق حرم النبيّ لحادث* * * يخشى عليه ولادها و العار
لكنما أيدى الروافض لامست* * * ذاك الجناب فطهرته النار
و لم يسلم سوى القبة التي أحدثها الناصر لدين اللّه لكونها بوسط صحن المسجد و ببركة المصحف الشريف العثمانى و عدة صناديق كبار*
ذكر الاحتراق الثانى
قال المؤرّخون احترق المسجد النبوى ثانى الاحتراقين أوّل الثلث الاخير من ليلة الثالث عشر من شهر رمضان عام ست و ثمانين و ثمانمائة و ذلك انّ رئيس المؤذنين و صدر المدرسين الشيخ شمس الدين محمد بن الخطيب قام يهلل حينئذ بالمنارة الشرقية اليمانية المعروفة بالرئيسة و صعد المؤذنون بقية المنائر و قد تراكم الغيم فحصل رعد قاصف أيقظ النائمين فسقطت صاعقة أصاب بعضها هلال المنارة المذكورة فسقط شرقى المسجد و له لهب كالنار و انشق رأس المنارة و توفى الرئيس المذكور لحينه صعقا ففقد صوته من كان على بقية المنائر فنادوه فلم يجب فصعد إليه بعضهم فوجده ميتا و أصاب ما نزل من الصاعقة سقف المسجد الاعلى بين المنارة الرئيسة و قبة الحجرة النبوية