تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٢٠٧ - (ذكر مسير خالد الى بزاخة و غيرها)
الحرب بنفسه حتى ليم فى ذلك و لقد رأيته يوم اليمامة يقاتل أشدّ القتال ان كان مكانه ليتقى حتى يطلع إلينا منبهرا و لما تراجع المسلمون و ضرس القتال تزمل طليحة بكساء له ينتظر بزعمه أن ينزل عليه الوحى فلما طال ذلك على أصحابه و هدّتهم الحرب جعل عيينة بن حصن يقاتل و يذمر الناس* قال ابن اسحاق قاتل عيينة يومئذ فى سبعمائة من فزارة قتالا شديدا حتى اذا ألح المسلمون عليهم بالسيف و قد صبروا لهم أتى طليحة و هو ملتثم فى كسائه فقال لا ابا لك هل أتاك جبريل بعد ذلك قال يقول طليحة و هو تحت الكساء لا و اللّه ما جاء بعد فقال عيينة تبا لك سائر اليوم ثم رجع عيينة فقاتل و جعل يحض أصحابه و قد ضجوا من وضع السيوف* فلما طال ذلك على عيينة جاء طليحة و هو مستلق متشح بكسائه فجبذه جبذة جلس منها و قال له قبح اللّه هذه من نبوّة ما قيل لك بعد شيء فقال طليحة قد قيل لى ان لك رحا كرحاه و أمرا لن تنساه فقال عيينة أظن قد علم اللّه أن سيكون لك أمر لن تنساه يا فزارة هكذا و أشار لها تحت الشمس هذا و اللّه كذاب ما بورك له و لا لنا فيما يطالب فانصرفت فزارة و ذهب عيينة و أخوه فى آثارها فأدرك عيينة فأسر و أفلت أخوه و يقال أسر عيينة عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لام الطائى فأراد خالد قتله حتى كلمه فيه رجل من بنى مخزوم و ترك قتله* و لما رأى طليحة أنّ الناس يؤسرون و يقتلون خرج منهزما و أسلمه الشيطان فاعجزهم هو و أخوه فجعل أصحابه يقولون له ما ذا ترى و قد كان أعدّ فرسه و هيأ امرأته النوار فوثب على فرسه و حمل امرأته وراءه فنجا بها و قال من استطاع منكم أن يفعل كما فعلت فليفعل و لينج بأهله ثم هرب حتى قدم الشأم و أقام عند بنى جفنة الغسانيين و فى كتاب ابى يعقوب الزهرى انّ طليحة قال لاصحابه لما رأى انهزامهم ويلكم ما يهزمكم فقال له رجل منهم أنا أخبركم أنه ليس منا رجل الا و هو يحب أنّ صاحبه يموت قبله و انا نلقى أقواما كلهم يحب ان يموت قبل صاحبه* و ذكر ابن اسحاق أنّ طليحة لما ولى هاربا تبعه عكاشة بن محصن و ثابت بن أقرم و قد كان طليحة أعطى اللّه عهدا أن لا يسأله أحد النزول الا فعل فلما أدبرنا داه عكاشة يا طليحة فعطف عليه فقتل عكاشة ثم أدركه ثابت فقتله أيضا طليحة ثم لحق بالشأم و قد قيل فى قتلهما غير هذا و هو ما ذكره الواقدى عن عميلة الفزارى و كان عالما بردّتهم انّ خالد بن الوليد لما دنا من القوم بعث عكاشة و ثابتا طليعة أمامه و كانا فارسين فلقيا طليحة و اخاه مسلمة ابنى خويلد طليعة لمن وراءهما من الناس و خلفوا عسكرهم من ورائهم فلما التقوا انفرد طليحة بعكاشة و مسلمة بثابت فلم يلبث مسلمة ان قتل ثابتا و صرخ طليحة بمسلمة أعنى على الرجل فانه قاتلى فكرّ معه على عكاشة فقاتلاه ثم كرّا راجعين الى من وراءهما و أقبل خالد معه المسلمون فلم يرعهم الا ثابت بن أقرم قتيلا تطؤه المطىّ فعظم ذلك على المسلمين ثم لم يسيروا الا يسيرا حتى و طئوا عكاشة قتيلا فثقل القوم على المطىّ كما وصف واصفهم حتى ما تكاد المطىّ ترفع أخفافها و فى كتاب الزهرى ثم لحقوا أصحاب طليحة فقتلوا و أسروا و صاح خالد لا يطبخن رجل قدرا و لا يسخنن ماء الا أثفيته رأس رجل و أمر خالد بالحظائر أن تبنى ثم أوقد فيها النار ثم أمر بالاسرى فألقيت فيها و ألقى يومئذ حامية بن سبيع بن الخشخاش الاسدى و هو الذي كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) استعمله على صدقات قومه فارتدّ عن الاسلام و أخذت أم طليحة أحد نساء بنى اسد فعرض عليها الاسلام فأبت و و ثبت فاقتحمت النار و هى تقول
يا موت عم صباحا* * * كافحته كفاحا
اذ لم أجد براحا
و ذكر الواقدى عن يعقوب بن يزيد بن طلحة أنّ خالدا جمع الاسارى فى الحظائر ثم أصرمها عليهم فاحترقوا و هم أحياء و لم يحرق أحد من بنى فزارة فقلت لبعض أهل العلم لم حرق هؤلاء من بين أهل الردّة فقال بلغت عنهم مقالة سيئة شتموا النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و ثبتوا على ردّتهم* و ذكر غير يعقوب أنّ