تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ١٣١ - قصة كعب بن مالك
لهم مالك أنظرونى حتى أخرج إليكم بنار من أهلى فأخذ سعفا من النخل و أشعل فيه نارا ثم خرجوا يشتدّون حتى دخلوا المسجد فحرقوه و هدموه و تفرّق أهله عنه و أمر النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أن يتخذ ذلك الموضع كناسا تلقى فيه الجيف و النتن و القمامة و مات أبو عامر الراهب بالشام وحيدا طريدا غريبا و سأل عمر بن الخطاب رجلا منهم ما ذا أعنت فى هذا المسجد فقال أعنت فيه بسارية فقال عمر أبشر بها فى عنقك فى نار جهنم* و روى ان بنى عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء سألوا عمر بن الخطاب فى خلافته ليأذن مجمع بن حارثة فيأمّهم فى مسجدهم فقال أ ليس بامام مسجد الضرار فقال له مجمع يا أمير المؤمنين لا تعجل علىّ فو اللّه لقد صليت فيه و انى لا أعلم ما أضمروا عليه فلو علمت ما صليت فيه معهم و كنت غلاما قارئا للقرآن و كانوا شيوخا قد غشوا نفاقهم و كانوا لا يقرءون من القرآن شيئا فصليت و لا أحببت مما صنعوا شيئا الا انهم يتقرّبون الى اللّه و لا أعلم ما فى أنفسهم فعذره عمر و صدّقه و أمره بالصلاة فى مسجد قباء فهذه قصة مسجد الضرار و لما دنا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من المدينة خرج الناس لتلقيه و خرج النساء و الصبيان و الولائد يقلن
طلع البدر علينا* * * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا* * * ما دعا للّه داعى
و قد وهم بعض الرواة كما تقدّم و قال انما كان هذا فى مقدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة من مكة و هو وهم ظاهر لان ثنيات الوداع انما هى من ناحية الشام لا يراها القادم من مكة الى المدينة بل اذا توجه منها الى الشام و قد سبق البحث عنها فى أوّل مجيئه المدينة و فى البخاري لما رجع النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) من غزوة تبوك فدنا من المدينة قال ان بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا و لا قطعتم واديا الا كانوا معكم حبسهم العذر و لما أشرف (صلى اللّه عليه و سلم) على المدينة قال هذه طابة و هذا أحد جبل يحبنا و نحبه فلما دخل المدينة جاءه من كان تخلف عنه فحلفوا له فعذرهم و استغفر لهم و أرجى أمر كعب و صاحبيه حتى نزلت توبتهم فى قوله تعالى لقد تاب اللّه على النبيّ و المهاجرين و الانصار الى قوله و على الثلاثة الذين خلفوا و هم كعب بن مالك و هلال بن أمية و مرارة ابن الربيع و قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من تبوك فى رمضان كذا فى الاكتفاء و اللّه سبحانه و تعالى أعلم*
قصة كعب بن مالك
قصة كعب بن مالك و ارجاء أمره* فى الاكتفاء قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة من تبوك و قد كان تخلف عنه من تخلف من المنافقين و أولئك الرهط الثلاثة من المسلمين من غير شك و لا نفاق كعب بن مالك و مرارة بن الربيع و هلال بن أمية كما مرّ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) لاصحابه لا تكلمن أحدا من هؤلاء الثلاثة و أتاه من تخلف عنه من المنافقين فجعلوا يحلفون له و يعتذرون فصفح عنهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يعذرهم اللّه و لا رسوله فاعتزل المسلمون كلام أولئك النفر الثلاثة فحدّث كعب بن مالك قال ما تخلفت عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى غزوة غزاها قط غير انى كنت تخلفت عنه فى غزوة بدر و كانت غزوة لم يعاتب اللّه فيها و لا رسوله أحدا تخلف عنها و ذلك ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) انما خرج يريد عير قريش فجمع اللّه بينه و بين عدوّه على غير ميعاد و لقد شهدت مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) العقبة حين تواثقنا على الاسلام و ما أحب أن لى بها مشهد بدر و ان كانت غزوة بدر هى أذكر فى الناس منها و كان من خبرى حين تخلفت عنه فى غزوة تبوك انى لم أكن قط أقوى و لا أيسر منى حين تخلفت عنه تلك الغزوة و اللّه ما اجتمعت لى راحلتان قط حتى اجتمعتا لى فى تلك الغزوة و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قلما يريد غزوة يغزوها الا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى حرّ شديد و استقبل غزو عدوّ كثير فجلا للناس أمرهم ليتأهبوا لذلك أهبة و أخبرهم خبره بوجهه الذي يريد و المسلمون من تبع