تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ١٣٢ - قصة كعب بن مالك
رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يعنى بذلك الديوان و غزا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) تلك الغزوة حين طابت الثمار و أحنت الظلال و الناس إليها صفر فتجهز رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و تجهز المسلمون معه و جعلت أغد و لأتجهز معهم فأرجع و لم أقض حاجة فأقول فى نفسى انى قادر على ذلك ان أردت فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى شمر الناس بالجدّ و أصبح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) غاديا و المسلمون معه و لم أقض من جهازى شيئا فقلت لعلى أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحق بهم فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز فرجعت و لم أقض شيئا ثم غدوت فرجعت و لم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بى حتى أسرعوا و تفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم و ليتنى فعلت فلم أفعل و جعلت اذا خرجت فى الناس بعد خروج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فطفت فيهم يحزننى اننى لا أرى الا رجلا معموها عليه فى النفاق أو رجلا ممن عذره اللّه من الضعفاء و لم يذكرنى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حتى بلغ تبوك فقال و هو جالس فى القوم بتبوك ما فعل كعب بن مالك فقال رجل من بنى سلمة يا رسول اللّه حبسه برداه و النظر فى عطفيه فقال له معاذ بئس ما قلت و اللّه يا رسول اللّه ما علمنا منه الا خيرا فسكت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فلما بلغنى أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) توجه قافلا حضرنى بثّي فجعلت أتذكر الكذب و أقول بما ذا أخرج من سخط رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) غدا و أستعين على ذلك كل ذى رأى من اهلى فلما قيل لى انّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد أظلّ قادما راح عنى الباطل و عرفت أنى لا أنجو منه الا بالصدق فأجمعت أن أصدقه و صبح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة و كان اذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المخلفون من الاعراب فجعلوا يحلفون له و يعتذرون و كانوا بضعة و ثمانين رجلا فقبل منهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) علانيتهم و أيمانهم و يستغفر لهم و يكل سرائرهم الى اللّه تعالى حتى جئت إليه فسلمت عليه فتبسم تبسم المغضب ثم قال لى تعال فجئت أمشى حتى جلست بين يديه فقال لى ما خلفك أ لم تكن قد ابتعت ظهرك فقلت بلى و اللّه كنت اشتريت ظهرا و ما كان لى من عذر و اللّه ما كنت قط أقوى و لا أيسر منى حين تخلفت عندك فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضى اللّه فيك فقمت ثم سألت الناس هل وقع لاحد مثل ما وقع لى قالوا نعم رجلان كان حالهما مثل حالك فقالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت من هما قالوا مرارة بن الربيع الضمرى و هلال بن أمية الواقفى فذكر و الى رجلين صالحين فيهما اسوة و نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المسلمين عن كلامنا نحن الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبتنا الناس و تغيروا علينا فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فامّا صاحباى فاستكنا و قعدا فى بيوتهما يبكيان و أمّا أنا فكنت أشب القوم و أجلدهم فكنت أخرج و أشهد الصلوات مع المسلمين و أطوف فى الاسواق و لا يكلمنى أحد و آتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأسلم عليه و هو فى مجلسه بعد الصلاة فأقول فى نفسى هل حرّك شفتيه بردّ السلام علىّ أم لا فبينما أنا أمشى بسوق المدينة اذا نبطى من أنباط أهل الشام ممن قدم المدينة بالطعام يبيعه يقول من يدلنى على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى اذا جاءنى فدفع الىّ كتابا من ملك غسان فاذا فيه أمّا بعد فانه قد بلغنى أنّ صاحبك قد جفاك و لم يجعلك اللّه بدار هوان و لا مضيعة فألحق بنا نواسك فقلت بعد ما قرأت ذلك الكتاب هذا أيضا من البلاء فألقيته فى التنور و أحرقته حتى مضت أربعون من الخمسين فاذا رسول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أتانى فقال انّ رسول اللّه يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ما ذا أفعل فقال لا بل اعتزلها و لا تقربها و أرسل الى صاحبىّ مثل ذلك فقلت لامرأتى الحقي بأهلك فتكونى عندهم
حتى يقضى اللّه فى هذا الامر فجاءت امرأة هلال