تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ١٢٩ - موت عبد اللّه ذى البجادين
من تعبية هرقل جيشه و دنوّه الى أدنى الشام و عزمه على قتال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) باطلا كذبا و بعث هرقل رجلا من غسان الى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ينظر الى صفته و علامته و الى حمرة عينيه و الى خاتم النبوّة الذي بين كتفيه و سأل فاذا هو لا يقبل الصدقة فوعى الرجل أشياء من صفته (صلى اللّه عليه و سلم) ثم انصرف الى هرقل فأخبره بها فدعا هرقل قومه الى التصديق فأبوا عليه حتى خافهم على ملكه و أسلم هو سرّا منهم و امتنع من قتاله (صلى اللّه عليه و سلم)*
موت عبد اللّه ذى البجادين
و فى هذه السنة فى هذه الغزوة بتبوك مات عبد اللّه ذو البجادين المزنى و هو من اصحاب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و فى الاكتفاء انما سمى ذا البجادين لانه كان ينازع الى الاسلام فيمنعه قومه من ذلك و يضيقون عليه حتى تركوه فى بجاد و ليس عليه غيره و البجاد هو الكساء الغليظ الجافى فهرب منهم الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فلما كان قريبا منه شق بجاده باثنتين فاتزر بواحدة و اشتمل بالاخرى ثم أتى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقيل له ذو البجادين لذلك و فى القاموس البجاد ككتاب كساء مخطط و فى رواية كان قبل الاسلام بورقاء و هو جبل من جبال مزينة و كان فقيرا فقطعت أمه بجادا باثنتين فاتزر بواحدة و ارتدى بالاخرى ثم أقبل الى المدينة فاضطجع فى مسجد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى السحر و صلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الصبح فأبصره فقال من أنت فقال عبد العزى و كان اسمه ذلك فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) أنت عبد اللّه ذو البجادين ثم قال له انزل منى قريبا و كان يكون فى أضيافه و يعلمه القرآن حتى قرأ قرآنا كثيرا و كان رجلا صيتا و كان يقوم فى المسجد فيرفع صوته بالقرآن فقال عمر يا رسول اللّه أ لا تسمع الى هذا الاعرابى يرفع صوته بالقرآن فيمنع الناس القراءة فقال دعه يا عمر فانه خرج مهاجرا الى اللّه و الى رسوله فلما خرجوا الى تبوك خرج معه و قال يا رسول اللّه ادع اللّه لى بالشهادة فقال ائتنى بلحاء سمرة أى قشرها كذا فى القاموس فأتاه بها فأخذها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فربطها على عضده فقال اللهمّ انى أحرّم أو قال حرم دمه على الكفار قال يا رسول اللّه ليس هذا ما أردت قال انك اذا خرجت فى سبيل اللّه فأخذتك الحمى و قتلتك فأنت شهيد و لا تبال بأيه كان فلما نزلوا تبوك و أقاموا بها أياما أخذته الحمى فتوفى بها و دفن هناك بالليل و أخذ بلال شعلة من نار فوقف بها على القبر فكان عبد اللّه بن مسعود يحدّث قال قمت من جوف الليل و أنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى غزوة تبوك فرأيت شعلة من نار فى ناحية العسكر فاتبعتها أنظر إليها فاذا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر و عمر و اذا عبد اللّه ذو البجادين قد مات فاذا هم قد حفروا له و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) نزل فى حفرته و أبو بكر و عمر يدليانه إليه و هو يقول أدليا الىّ أخاكما فدلياه إليه فلما هيأه لشقه و وضعه فى اللحد قال اللهمّ انى قد أمسيت راضيا عنه فارض عنه يقول عبد اللّه بن مسعود يا ليتنى كنت أنا صاحب هذه الحفرة* و فى المنتقى و هاجت ريح شديدة ليلا بتبوك فقال (صلى اللّه عليه و سلم) هذا لموت منافق عظيم النفاق و لما قدموا المدينة وجدوا منافقا عظيم النفاق قد مات* و فى المنتقى أيضا شاور رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أصحابه فى التقدّم و المسير إليهم فقال عمران كنت أمرت بالمسير فسر فقال (صلى اللّه عليه و سلم) لو أمرت به ما استشرتكم فيه فقال عمر يا رسول اللّه ان للروم جموعا كثيرة و ليس بها أحد من أهل الاسلام و قد دنوت منه و أفزعهم دنوّك لو رجعت هذه السنة حتى ترى أو يحدث اللّه فى ذلك لك أمرا فانصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و لم يلق كيدا و كان فى الطريق ماء يخرج من وشل يروى الراكب و الراكبين و الثلاثة بواد يقال له وادى المشفق فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من سبقنا الى الماء فلا يستقين منه شيئا حتى نأتيه فسبقه إليه نفر من المنافقين فاستقوا ما فيه فلما أتاه رسول اللّه