تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس - الشيخ حسين ديار البكري - الصفحة ٢١٩ - * (ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع امامه من البطاح)
لو عملت إليه من المدينة خاطبا لم ابل دع انى استثرت خطبتى إليه من تحت قدمي فان كنت قد كرهت لى ذلك لدين أو دنيا أعتبتك و أما حسن عزائى على قتلى المسلمين فو اللّه لو كان الحزن يبقى حيا أو يردّ ميتا لأبقى حزنى الحى و ردّ الميت و لقد اقتحمت فى طلب الشهادة حتى أيست من الحياة و أيقنت بالموت و أما خدعة مجاعة اياى عن رأيى فانى لم أخطئ رأى يومى و لم يكن لى علم بالغيب و قد صنع اللّه للمسلمين خيرا أورثهم الارض و جعل لهم عاقبة المتقين* فلما قدم الكتاب على أبى بكر رق بعض الرقة و تم عمر على رأيه الاوّل فى عيب خالد بما صنع و وافقه على ذلك رهط من قريش فقام أبو برزة الاسلمى فعذر خالدا و قال يا خليفة رسول اللّه ما يؤبن خالد بجبن و لا خيانة و لقد اقتحم حتى أعذر و صبر حتى ظفر و ما صالح القوم الاعلى رضاه و ما أخطأ رأيه بصلح القوم اذ لا يرى النساء فى الحصون الا رجالا فقال أبو بكر صدقت لكلامك هذا أولى بعذر خالد من كتابه الىّ* و لما فرغ خالد من الصلح أمر بالحصون فألزمها الرجال و حلف مجاعة باللّه لا يغيب عنه شيئا مما صالحه عليه و لا يعلم أحدا غيبه الا رفعه الى خالد ثم فتحت الحصون فأخرج سلاحا كثيرا فجمعه خالد على حدة و أخرج ما وجد فيها من دنانير و دراهم فجمعه على حدة و جمع كراعهم و ترك الخف و لم يحرّكه و لا الرثة ثم أخرج السبى فقسمه قسمين ثم أقرع على القسمين فخرج سهمه على أحدهما و فيه مكتوب للّه ثم جزأ الذي صار له من السبى على خمسة أجزاء ثم كتب على سهم منها للّه و جزأ الكراع و الحلقة هكذا و وزن الذهب و الفضة فعزل الخمس و قسم على الناس الاربعة الاخماس و أسهم للفرس سهمين و لصاحبه سهما و عزل الخمس من ذلك كله حتى قدم به على أبى بكر و لما انقطعت الحرب بين خالد و بين أهل اليمامة تحوّل من منزله الذي كان فيه الى منزل آخر ينتظر كتاب أبى بكر يأمره ان ينصرف إليه بالمدينة* و حدث زيد بن أسلم عن أبيه قال كان أبو بكر حين وجه خالدا الى اليمامة رأى فى النوم كأنه أتى بتمر من هجر فأكل منها تمرة واحدة وجدها نواة على خلقة التمرة فلاكها ساعة ثم رمى بها فتأوّلها فقال ليلقين خالد من أهل اليمامة شدّة و ليفتحن اللّه على يديه ان شاء اللّه فكان أبو بكر يستروح الخبر من اليمامة بقدر ما يجئ رسول خالد فخرج أبو بكر يوما بالعشى الى ظهر الحرّة يريد أن يبلغ صرارا و معه عمر بن الخطاب و سعيد بن زيد و طلحة بن عبيد اللّه و نفر من المهاجرين و الانصار فلقى أبا خيثمة النجارى قد أرسله خالد فلما رآه أبو بكر قال له ما وراءك يا أبا خيثمة قال خيرا يا خليفة رسول اللّه قد فتح اللّه علينا اليمامة قال فسجد أبو بكر قال أبو خيثمة و هذا كتاب خالد إليك فحمد اللّه أبو بكر و أصحابه ثم قال أخبرنى عن الوقعة كيف كانت فجعل أبو خيثمة يخبره كيف صنع خالد و كيف صف أصحابه و كيف انهزم المسلمون و من قتل منهم فجعل أبو بكر يسترجع و يترحم عليهم و جعل أبو خيثمة يقول يا خليفة رسول اللّه أتينا من قبل الاعراب انهزموا بنا و عوّدونا ما لم نكن نحسن حتى أظفرنا اللّه بعد ثم قال أبو بكر كرهت رؤيا رأيتها كراهية شديدة و وقع فى نفسى انّ خالدا سيلقى مهم شدّة و ليت خالدا لم يصالحهم و انه حملهم على السيف فما بعد هؤلاء المقتولين يستبقى أهل اليمامة و لن يزالوا من كذابهم فى بلية الى يوم القيامة الا أن يعصمهم اللّه ثم قدم بعد ذلك وفد اليمامة مع خالد على أبى بكر* و قال أبو بكر لخالد سم لى أهل البلاء فقال يا خليفة رسول اللّه كان البلاء للبراء بن مالك و الناس له تبع و لما قدم خالد المدينة لم يبق بها دار الا و فيها باكية لكثرة من قتل معه من الناس فبكى أبو بكر لما رأى ذلك و كانت وقعة اليمامة فى ربيع الاوّل من سنة ثنتى عشرة و اختلف فى عدد من استشهد فيها من المسلمين فأكثر ما فى ذلك ما وقع فى كتاب أبى بكر الى خالد انّ ببابك دماء ألف و مائتين من المسلمين* و قال سالم بن عبد الله
بن عمر قتل يوم اليمامة ستمائة من المهاجرين و الانصار و غير ذلك* و قال زيد بن طلحة قتل يوم اليمامة من قريش سبعون و من الانصار سبعون و من سائر الناس خمسمائة* و عن أبى سعيد