نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٩٧ - ٤٥ لما ذا سخط عضد الدولة على التنوخي المؤلف
لطيف، فاعرفه، حتى إذا سئلت عنه، وافقتني فيه، و تركني و انصرف.
و جلست مكاني طويلا، و عندي أنّني مقبوض عليّ، ثم حملت نفسي على أن أقوم و أسبر [١] الأمر.
و قمت، و خرجت من الخيمة، فدعا البوابون دابّتي على العادة، و رجعت إلى خيمتي منكسر النفس، منكسف البال.
فصار الوقت الذي أدعى فيه للخدمة، فجاءني رسول ابن الحلاّج على الرسم، و حضرت المجلس، فلم يرفع الملك إليّ طرفا، و لا لوى إليّ وجها، و لم يزل الحال على ذلك خمسة و أربعين يوما.
ثم استدعاني، و هو في خركاه، و بين يديه أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف [٢] ، و على رأسه أبو الثناء شكر الخادم [٣] .
فقال: ويلك، اصدقني عمّا حكاه أبو الفضل بن أبي أحمد.
فقلت: كذب منه، و لو ذكرت لمولانا ما يقوله، لما أقاله العثرة.
فقال: أومن حقوقي عليكم، أن تسيئوا غيبتي، و تتشاغلوا بذكري.
فقلت: أمّا حقوق النعمة فظاهرة، و أمّا حديثك فنحن نتفاوضه دائما.
فالتفت إلى أبي القاسم، و قال: اسمع ما يقول.
فقال له بالفارسية، و عنده أنّني لا أعرفها: هؤلاء البغداديّون مفتونون، و مفسدون، و متسوّقون [٤] .
[١] سبر: امتحن و اختبر.
[٢] أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف: راجع ترجمته في حاشية القصة ٤/٤٤ من النشوار.
[٣] أبو الثناء شكر الخادم: كان أثيرا عند الملك عضد الدولة، و من بعده عند صمصام الدولة، و لما تولى شرف الدولة خافه لأنه كان في حياة عضد الدولة قد قام بأمر صمصام الدولة، و تولى إبعاد شرف الدولة إلى كرمان، و لذلك استتر، و عثر عليه، و عفا عنه، و خرج إلى الحج فعدل إلى مصر و أقام بها (تجارب الأمم ٣/١٤٥ و ١٤٦) .
[٤] التسوق: تعبير بغدادي يعني التحدث عن الناس بالباطل، و الخوض في سيرتهم.